تخطَّ إلى المحتوى
مقدمات السيرة والنسب النبوي ←

استيلاء أبى كرب تبان أسعد على ملك اليمن وغزوة إلى يثرب

سيرة ابن هشام · الجزء 1 · الصفحات 19–29

اقرأ الفصل كاملًا: ذكر سرد النسب الزكي من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إلى آدم عليه السلام
فهرس موضوعات الفصل (256)
  1. نهج ابن هشام في هذا الكتاب
  2. سياقة النسب من ولد إسماعيل عليه السلام
  3. أولاد إسماعيل عليه السلام ونسب أمهم
  4. عمر إسماعيل عليه السلام ومدفنه
  5. موطن هاجر
  6. وصاة الرسول صلى الله عليه وسلم بأهل مصر وسبب ذلك
  7. أصل العرب
  8. أولاد عدنان
  9. موطن عك
  10. أولاد معد
  11. قضاعة
  12. قنص بن معد، ونسب النعمان بن المنذر
  13. نسب لخم بن عدي
  14. أمر عمرو بن عامر في خروجه من اليمن وقصة سد مارب
  15. أمر ربيعة بن نصر ملك اليمن وقصة شق وسطيح الكاهنين معه
  16. رؤيا ربيعة بن نصر
  17. نسب سطيح وشق
  18. نسب بجيلة
  19. ربيعة بن نصر وسطيح)
  20. ربيعة بن نصر وشق
  21. هجرة ربيعة بن نصر إلى العراق
  22. نسب النعمان بن المنذر
  23. استيلاء أبى كرب تبان أسعد على ملك اليمن وغزوة إلى يثرب
  24. شيء من سيرة تبان
  25. غضب تبان على أهل المدينة، وسبب ذلك
  26. نسب عمرو بن طلة
  27. سبب قتال تبان لأهل المدينة
  28. انصراف تبان عن إهلاك المدينة، وشعر خالد في ذلك
  29. اعتناق تبان النصرانية، وكسوته البيت وتعظيمه وشعر سبيعة في ذلك
  30. دعوة تبان قومه إلى النصرانية، وتحكيمهم النار بينهم وبينه)
  31. رئام وما صار إليه
  32. ملك ابنه حسان بن تبان وقتل عمرو أخيه (له
  33. سبب قتله
  34. ندم عمرو وهلاكه
  35. وثوب لخنيعة ذي شناتر على ملك اليمن
  36. توليه الملك، وشيء من سيرته، ثم قتله
  37. ملك ذي نواس
  38. النصرانية بنجران
  39. ابتداء وقوع النصرانية بنجران
  40. فيميون وصالح ونشر النصرانية بنجران
  41. أمر عبد الله بن الثامر، وقصة أصحاب الأخدود
  42. فيميون وابن الثامر واسم الله الأعظم
  43. ابن الثامر ودعوته إلى النصرانية بنجران
  44. ذو نواس وخد الأخدود
  45. الأخدود لغة
  46. مقتل ابن الثامر
  47. ما يروى عن ابن الثامر في قبره
  48. أمر دوس ذي ثعلبان، وابتداء ملك الحبشة وذكر أرباط المستولى على اليمن
  49. فرار دوس واستنصاره بقيصر
  50. انتصار أرياط وهزيمة ذي نواس وموته
  51. شعر في دوس وما كان منه
  52. نسب زبيد
  53. سبب قول عمرو بن معديكرب هذا الشعر
  54. صدق كهانة سطيح وشق
  55. غلب أبرهة الأشرم على أمر اليمن، وقتل أرياط
  56. ما كان بين أرياط وأبرهة
  57. غضب النجاشي على أبرهة لقتله أرياط ثم رضاؤه عنه
  58. أمر الفيل، وقصة النسأة
  59. بناء القليس
  60. معنى النسأة
  61. المواطأة لغة
  62. تاريخ النسء عند العرب
  63. إحداث الكناني في القليس، وحملة أبرهة على الكعبة
  64. هزيمة ذي نفر أمام أبرهة
  65. ما وقع بين نفيل وأبرهة
  66. ابن معتب وأبرهة
  67. نسب ثقيف وشعر ابن أبى الصلت في ذلك
  68. استسلام أهل الطائف لأبرهة
  69. اللات
  70. معونة أبى رغال لأبرهة وموته وقبره
  71. الأسود واعتداؤه على مكة
  72. حناطة وعبد المطلب
  73. ذو نفر وأنيس وتوسطهما لعبد المطلب لدى أبرهة
  74. عبد المطلب وحناطة وخويلد بين يدي أبرهة
  75. عبد المطلب في الكعبة يستنصر بالله على رد أبرهة
  76. شعر لعكرمة في الدعاء على الأسود بن مقصود
  77. دخول أبرهة مكة، وما وقع له ولفيله، وشعر نفيل في ذلك
  78. ما ذكر في القرآن عن قصة الفيل، وشرح ابن هشام لمفرداته
  79. ما أصاب قائد الفيل وسائسه
  80. ما قيل في صفة الفيل من الشعر
  81. إعظام العرب قريشا بعد حادثة الفيل
  82. شعر ابن الزبعري في وقعة الفيل
  83. شعر ابن الأسلت في وقعة الفيل
  84. شعر طالب في وقعة الفيل
  85. شعر أبى الصلت في وقعة الفيل
  86. شعر الفرزدق في وقعة الفيل
  87. شعر ابن الرقيات في وقعة الفيل
  88. ملك يكسوم ثم مسروق على اليمن
  89. خروج سيف بن ذي يزن وملك وهرز على اليمن
  90. ابن ذي يزن عند قيصر
  91. توسط النعمان لابن ذي يزن لدى كسرى
  92. ابن ذي يزن بين يدي كسرى، ومعاونة كسرى له
  93. وهرز وسيف بن ذي يزن وانتصارهما على مسروق وما قيل في ذلك من الشعر
  94. هزيمة الأحباش، ونبوءة سطيح وشق
  95. ذكر ما انتهى إليه أمر الفرس باليمن
  96. ملك الحبشة في اليمن وملوكهم
  97. ملوك الفرس على اليمن
  98. كسرى وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم
  99. إسلام باذان
  100. سلمان منا
  101. بعثة النبي، ونبوءة سطيح وشق
  102. الحجر الذي وجد باليمن
  103. شعر الأعشى في نبوءة سطيح وشق
  104. قصة ملك الحضر
  105. نسب النعمان، وشيء عن الحضر، وشعر عدي فيه
  106. دخول سابور الحضر، وزواجه بنت ساطرون، وما وقع بينهما
  107. ذكر ولد نزار بن معد
  108. أولاده في رأى ابن إسحاق وابن هشام
  109. أولاد أنمار
  110. أولاد مضر
  111. أولاد إلياس
  112. شيء عن خندف وأولادها
  113. قصة عمرو بن لحي وذكر أصنام العرب
  114. رآه النبي صلى الله عليه وسلم يجر قصبه في النار
  115. جلب الأصنام من الشام إلى مكة
  116. أول عبادة الحجارة كانت في بنى إسماعيل
  117. الأصنام عند قوم نوح
  118. القبائل وأصنامها، وشيء عنها
  119. رأى ابن هشام في نسب كلب بن وبرة
  120. يغوث وعبدته
  121. رأى ابن هشام في أنعم، وفي نسب طيئ
  122. يعوق وعبدته
  123. همدان ونسبه
  124. نسر وعبدته
  125. نسب خولان
  126. سعد وعبدته
  127. صنم دوس
  128. نسب دوس
  129. هبل
  130. إساف ونائلة، وحديث عائشة عنهما
  131. ما كان يفعله العرب مع الأصنام
  132. العزى وسدنتها
  133. معنى السدنة
  134. اللات وسدنتها
  135. مناة وسدنتها وهدمها
  136. ذو الخلصة وسدنته وهدمه
  137. فلس وسدنته وهدمه
  138. رئام
  139. رضاء وسدنته
  140. المستوغر وعمره
  141. ذو الكعبات وسدنته
  142. أمر البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى
  143. رأى ابن إسحاق فيها
  144. رأى ابن هشام فيها
  145. البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى لغة
  146. عدنا إلى سياقة النسب
  147. نسب خزاعة
  148. أولاد مدركة وخزيمة
  149. أولاد كنانة وأمهاتهم
  150. أولاد النضر وأمهاتهم
  151. ولد مالك بن النضر وأمه
  152. أولاد فهر وأمهاتهم
  153. أولاد غالب وأمهاتهم
  154. أولاد لؤي وأمهاتهم
  155. أمر سامة
  156. رحلته إلى عمان وموته
  157. أمر عوف بن لؤي ونقلته
  158. سبب انتمائه إلى بنى ذبيان
  159. نسب مرة
  160. سادات مرة
  161. هاشم بن حرملة، وعامر الخصفى
  162. مرة والبسل
  163. أمر البسل
  164. تعريف البسل، ونسب زهير الشاعر
  165. أولاد كعب وأمهم
  166. أولاد مرة وأمهاتهم
  167. نسب بارق
  168. ولدا كلاب وأمهما
  169. نسب جعثمة
  170. بقية أولاد كلاب
  171. أولاد قصي وأمهم
  172. أولاد عبد مناف وأمهاتهم
  173. نسب عتبة بن غزوان
  174. عود إلى أولاد عبد مناف
  175. أولاد هاشم وأمهاتهم
  176. أولاد عبد المطلب بن هاشم
  177. عددهم وأمهاتهم
  178. رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمهاته
  179. إشارة إلى ذكر احتفار زمزم
  180. شيء عن زمزم
  181. أمر جرهم ودفن زمزم
  182. ولاة البيت
  183. جرهم وقطوراء، وما كان بينهما
  184. أولاد إسماعيل وجرهم بمكة
  185. استيلاء قوم كنانة وخزاعة على البيت وفي جرهم
  186. بغى جرهم بمكة وطرد بنى بكر لهم
  187. بكة لغة
  188. استبداد قوم من خزاعة بولاية البيت
  189. تزوج قصي بن كلاب حبي بنت حليل
  190. أولاد قصي
  191. تولى قصي أمر البيت ونصرة رزاح له
  192. ما كان يليه الغوث بن مر من الإجازة للناس بالحج
  193. صوفة ورمى الجمار
  194. تولى بنى سعد أمر البيت بعد صوفة
  195. نسب صفوان
  196. صفوان وكرب والإجازة في الحج
  197. ما كانت عليه عدوان من إفاضة المزدلفة
  198. شعر ذي الإصبع في إفاضتهم بالناس
  199. أبو سيارة وإفاضته بالناس
  200. أمر عامر بن ظرب بن عمرو بن عياذ بن يشكر بن عدوان
  201. قضاؤه في خنثى ومشورة جاريته سخيلة
  202. غلب قصي بن كلاب على أمر مكة وجمعه أمر قريش ومعونة قضاعة له
  203. هزيمة صوفة
  204. محاربة قصي لخزاعة وبنى بكر وتحكيم يعمر بن عوف
  205. سبب تسمية يعمر بالشداخ
  206. قصي أميرا على مكة وسبب تسميته مجمعا
  207. شعر رزاح في نصرته قصيا ورد قصي عليه
  208. ما كان بين رزاح وبين نهد وحوتكة، وشعر قصي في ذلك
  209. ما آثر به قصي عبد الدار
  210. الرفادة
  211. ذكر ما جرى من اختلاف قريش بعد قصي وحلف المطيبين
  212. الخلاف بين بنى عبد الدار وبنى أعمامهم
  213. من ناصروا بنى عبد الدار، ومن ناصروا بنى أعمامهم
  214. من دخلوا في حلف المطيبين
  215. من دخلوا في حلف الأحلاف
  216. توزيع القبائل في الحرب
  217. ما تصالح القوم عليه
  218. حلف الفضول
  219. سبب تسميته كذلك
  220. حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول
  221. نازع الحسين الوليد في حق، وهدد بالدعوة إلى حلف الفضول
  222. سأل عبد الملك محمد بن جبير عن عبد شمس وبنى نوفل ودخولهما في حلف الفضول، فأخبره بخروجهما منه
  223. ولاية هاشم الرفادة والسقاية وما كان يصنع إذا قدم الحاج
  224. شيء من أعمال هاشم
  225. ولاية المطلب الرفادة والسقاية
  226. زواج هاشم
  227. ميلاد عبد المطلب وسبب تسميته كذلك
  228. موت المطلب وما قيل في رثائه من الشعر
  229. ولاية عبد المطلب السقاية والرفادة
  230. ذكر حفر زمزم وما جرى من الخلف فيها
  231. الرؤيا التي أريها عبد المطلب في حفر زمزم
  232. عبد المطلب وابنه الحارث وما كان بينهما وبين قريش عند حفرهما زمزم
  233. ذكر بئار قبائل قريش بمكة
  234. الطوى ومن حفرها
  235. بذر ومن حفرها
  236. سجلة ومن حفرها
  237. الحفر ومن حفرها
  238. سقية ومن حفرها
  239. أم أحراد ومن حفرها
  240. السنبلة ومن حفرها
  241. الغمر ومن حفرها
  242. رم وخم والحفر وأصحابها
  243. فضل زمزم وما قيل فيها من شعر
  244. ذكر نذر عبد المطلب ذبح ولده
  245. الضرب بالقداح عند العرب
  246. عبد المطلب وأولاده بين يدي صاحب القداح
  247. خروج القدح على عبد الله وشروع أبيه في ذبحه، ومنع قريش له
  248. عرافة الحجاز وما أشارت به أم عبد المطلب
  249. نجاة عبد الله من الذبح
  250. ذكر المرأة المتعرضة لنكاح عبد الله بن عبد المطلب
  251. رفض عبد الله طلب المرأة التي عرضت نفسها عليه
  252. زواج عبد الله من آمنة بنت وهب
  253. أمهات آمنة بنت وهب
  254. ما جرى بين عبد الله والمرأة المتعرضة له بعد بنائه بآمنة
  255. ذكر ما قيل لآمنة عند حملها برسول الله صلى الله عليه وسلم
  256. موت عبد الله

اسْتِيلَاءُ أَبِي كَرِبٍ تُبَّانَ أَسْعَدَ عَلَى مَلِكِ الْيَمَنِ وَغَزْوِهِ إلَى يَثْرِبَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا هَلَكَ رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرٍ رَجَعَ مُلْكُ الْيَمَنِ كُلُّهُ إلَى حَسَّانِ بْنِ تُبَّانَ أَسْعَدَ [2] أَبِي كَرِبٍ- وَتُبَّانُ أَسْعَدُ هُوَ تُبَّعٌ الْآخِرُ- ابْنُ كُلِي كَرِبِ [3] بْنِ زَيْدٍ، وَزَيْدٌ هُوَ تُبَّعٌ الْأَوَّلُ بْنُ عَمْرِو ذِي [4] الْأَذْعَارِ [5] بْنِ أَبْرَهَةَ ذِي الْمَنَارِ [6] بْنِ الرِّيشِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ الرَّائِشُ- قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ابْنَ عَدِيِّ [7] بْنِ صَيْفِيِّ ابْن سَبَأٍ الْأَصْغَرِ بْنِ كَعْبٍ، كَهْفِ الظُّلْمِ [8] ، بْنِ زَيْدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَمْرِو

حواشي المحقق · صفحة 19

[1] كَذَا فِي أ. وَفِي م، ر، ط: «غلبهم» وَلَا معنى لَهَا. [2] تبان أسعد: اسمان جعلا اسْما وَاحِدًا، كَمَا هِيَ الْحَال فِي معديكرب. وتبان من التبانة، وَهِي الذكاء والفطنة. [3] كَذَا فِي جَمِيع المراجع الَّتِي بَين أَيْدِينَا، وَفِي الأَصْل «كليككرب» وَهُوَ تَحْرِيف. [4] اتّفق أَبُو الْفِدَاء وَابْن جرير مَعَ ابْن إِسْحَاق على أَن ذَا الأذعار هُوَ عَمْرو، وَخَالَفَهُمَا المَسْعُودِيّ فِي «مروج الذَّهَب» فَقَالَ إِن فَقَالَ إِن اسْمه العَبْد بن أَبْرَهَة، كَمَا ذهب ابْن دُرَيْد فِي كِتَابه «الِاشْتِقَاق» إِلَى أَن ذَا الأذعار هُوَ تبع، وَلم يقف الْخلاف فِي المراجع الَّتِي بَين أَيْدِينَا عِنْد هَذَا فِي مُلُوك الْيمن، بل تجاوزه إِلَى كثير غَيره رَأينَا عدم إثْبَاته، إِذْ لَا طائل تَحْتَهُ. [5] سمى ذَا الأذعار لِأَنَّهُ- كَمَا زعم ابْن الْكَلْبِيّ- جلب النسناس إِلَى الْيمن فذعر النَّاس، وَهُوَ قَول يحْتَاج إِلَى تمحيص. (رَاجع الِاشْتِقَاق، وَشرح السِّيرَة لأبى ذَر) . [6] قيل سمى ذَا الْمنَار لِأَنَّهُ غزا غزوا بَعيدا، وَكَانَ بيني على طَرِيقه الْمنَار ليستدل بِهِ إِذا رَجَعَ. (عَن شرح السِّيرَة) . [7] فِي الطَّبَرِيّ «قيس» . [8] يُرِيد أَن الظَّالِم كَانَ يلجأ إِلَيْهِ، ويعتمد عَلَيْهِ، فينصره.

ابْن قَيْسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جُشَمَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ وَائِلِ بْنِ الْغَوْثِ بْنِ قَطَنِ بْنِ عَرِيبِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَيْمَنَ بْنِ الهُمَيْسِعِ بْنِ العَرَنجَج والعَرَنْجَجُ [1] : حِمْيَرُ بْنُ سَبَأٍ الْأَكْبَرِ ابْن يَعْرُبَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ قَحْطَانَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَشْجُبُ: ابْنُ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ [2] . (شَيْءٌ مِنْ سِيرَةِ تُبَّانَ) : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَتُبَّانُ أَسْعَدُ أَبُو كَرِبٍ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَسَاقَ الْحِبْرَيْنِ مِنْ يَهُودِ (الْمَدِينَةِ) [3] إلَى الْيَمَنِ، وَعَمَّرَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَكَسَاهُ، وَكَانَ مُلْكُهُ قَبْلَ مُلْكِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ [4] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: لَيْتَ حَظِّي مِنْ أَبِي كَرِبٍ ... أَنْ يَسُدَّ خَيْرُهُ خَبَلَهُ [5] (غَضَبُ تُبَّانَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ) : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ قَدْ جَعَلَ طَرِيقَهُ- حِينَ أَقْبَلَ مِنْ الْمَشْرِقِ- عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ قَدْ مَرَّ بِهَا فِي بَدْأَتِهِ فَلَمْ يَهِجْ أَهْلَهَا، وَخَلَّفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ابْنًا لَهُ، فَقُتِلَ غِيلَةً، فَقَدِمَهَا وَهُوَ مُجْمِعٌ لِإِخْرَابِهَا، وَاسْتِئْصَالِ أَهْلِهَا، وَقَطْعِ نَخْلِهَا [6] ، فَجُمِعَ لَهُ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَرَئِيسُهُمْ عَمْرُو بْنُ طَلَّةَ أَخُو بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ. وَاسْمُ مَبْذُولٍ: عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَاسْمُ النَّجَّارِ:

حواشي المحقق · صفحة 20

[1] لَيست النُّون فِي العرنجج زَائِدَة، بل هُوَ من قَوْلهم: اعرنجج الرجل فِي أمره: إِذا جد فِيهِ (عَن الِاشْتِقَاق) . [2] وعَلى هَذَا الرأى جَمِيع المراجع الَّتِي بَين أَيْدِينَا. [3] زِيَادَة عَن أ. [4] الّذي فِي مروج الذَّهَب: أَن تبع بن حسان بن كل كرب هُوَ صَاحب هَذِه الْحَادِثَة. [5] الخبل: الْفساد، وَقد نسب هَذَا الْبَيْت إِلَى الْأَعْشَى خطأ، وَإِنَّمَا هُوَ لعجوز من بنى سَالم يُقَال إِن اسْمهَا جميلَة، قالته حِين جَاءَ ملك بن العجلان بِخَبَر تبع. [6] وَقيل: إِن تبعا لم يقْصد غزوها، وَإِنَّمَا قصد قتل الْيَهُود الَّذين كَانُوا فِيهَا، وَذَلِكَ أَن الْأَوْس والخزرج كَانُوا نزلوها مَعَهم حِين خَرجُوا من الْيمن على شُرُوط وعهود كَانَت بَينهم فَلم يَفِ لَهُم بذلك الْيَهُود واستضاموهم، فاستغاثوا بتبع، فَعِنْدَ ذَلِك قدمهَا. كَمَا قيل: إِن هَذَا الْخَبَر كَانَ لأبى جبلة الغساني. (رَاجع شرح السِّيرَة لأبى ذَر) .

تَيْمُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ. (نَسَبُ عَمْرِو بْنِ طَلَّةَ) : قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ طَلَّةَ: عَمْرُو بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ ابْن النَّجَّارِ، وَطَلَّةُ أُمُّهُ، وَهِيَ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ [1] بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ ابْن غَضْبِ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ. (سَبَبُ قِتَالِ تُبَّانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، يُقَالُ لَهُ أَحْمَرُ، عَدَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ تُبَّعٍ حِينَ نَزَلَ بِهِمْ فَقَتَلَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَجَدَهُ فِي عَذْقٍ [2] لَهُ يَجُدُّهُ [3] فَضَرَبَهُ بِمِنْجَلِهِ فَقَتَلَهُ، وَقَالَ: إنَّمَا التَّمْرُ لِمَنْ أَبَّرَهُ [4] . فَزَادَ ذَلِكَ تُبَّعًا حَنَقًا عَلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا. فَتَزْعُمُ الْأَنْصَارُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَاتِلُونَهُ بِالنَّهَارِ، وَيَقْرُونَهُ [5] بِاللَّيْلِ، فَيُعْجِبُهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَيَقُولُ: وَاَللَّهِ إنَّ قَوْمَنَا لَكِرَامٌ. (انْصِرَافُ تُبَّانَ عَنْ إهْلَاكِ الْمَدِينَةِ، وَشِعْرُ خَالِدٍ فِي ذَلِكَ) : فَبَيْنَا تُبَّعٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِتَالِهِمْ، إذْ جَاءَهُ حَبْرَانِ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ- وَقُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وَالنَّجَّامُ [6] وَعَمْرٌو، وَهُوَ هَدَلُ [7] ، بَنُو الْخَزْرَجِ بْنِ الصَّرِيح بن التّوأمان [8] بْنِ السِّبْطِ بْنِ الْيَسَعَ بْنِ سَعْدِ بْنِ لَاوِيِّ بْنِ خَيْرِ بْنِ النَّجَّامِ بْنِ تَنْحُومَ بْنِ عَازَرِ بْنِ عُزْرَى بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قَاهِثِ [9] ابْنِ لَاوَى بْنِ يَعْقُوبَ، وَهُوَ إسْرَائِيلُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، صَلَّى اللَّهُ

حواشي المحقق · صفحة 21

[1] كَذَا فِي أ. وَفِي م، ر، ط: «زُرَيْق بن عَامر بن زُرَيْق بن عبد حَارِثَة» . [2] العذق (بِفَتْح الْعين) : النَّخْلَة. (وبكسرها) : الكباسة بِمَا عَلَيْهَا من التَّمْر. [3] يجده: يقطعهُ. [4] أبره: أصلحه. [5] يقرونه: يضيفونه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ نازلا بهم. [6] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «النحام» بِالْحَاء الْمُهْملَة. [7] هُوَ بِفَتْح الْهَاء وَالدَّال، كَأَنَّهُ مصدر هدل، إِذا استرخت شفته. وَعَن ابْن مَاكُولَا عَن أَبى عَبدة النسابة أَنه بِسُكُون الدَّال. (عَن الرَّوْض الْأنف) . [8] كَذَا فِي أ، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «التومان» . [9] وَفِي رِوَايَة: «قاهت» بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة.

عَلَيْهِمْ- عَالِمَانِ رَاسِخَانِ فِي الْعِلْمِ، حِينَ سَمِعَا بِمَا يُرِيدُ مِنْ إهْلَاكِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا، فَقَالَا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّكَ إنْ أَبَيْتَ إلَّا مَا تُرِيدُ حِيلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا، وَلَمْ نَأْمَنْ عَلَيْكَ عَاجِلَ الْعُقُوبَةِ، فَقَالَ لَهما: وَلم ذَاك؟ فَقَالَا: هِيَ مُهَاجَرُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَرَمِ مِنْ قُرَيْشٍ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، تَكُونُ دَارَهُ وَقَرَارَهُ، فَتَنَاهَى عَنْ ذَلِكَ، وَرَأَى أَنَّ لَهُمَا عِلْمًا، وَأَعْجَبَهُ مَا سَمِعَ مِنْهُمَا، فَانْصَرَفَ عَنْ الْمَدِينَةِ، وَاتَّبَعَهُمَا عَلَى دِينِهِمَا، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ غَزِيَّةَ بْنِ عَمْرِو (ابْنِ عَبْدِ) [1] بْنِ عَوْفِ بْنِ غُنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ يَفْخَرُ بِعَمْرِو بْنِ طَلَّةَ:

أَصَحَّا أَمْ قَدْ نَهَى ذُكَرَهْ [2] ... أَمْ قَضَى مِنْ لَذَّةٍ وَطَرَهْ

أَمْ تَذَكَّرْتَ الشَّبَابَ وَمَا ... ذِكْرُكَ الشَّبَابَ أَوْ عُصُرَهْ [3]

إنَّهَا حَرْبٌ رَبَاعِيَةٌ [4] ... مِثْلُهَا أَتَى الْفَتَى عِبَرَهْ

فَاسْأَلَا عِمْرَانَ أَوْ أَسَدًا ... إذْ أَتَتْ عَدْوًا [5] مَعَ الزُّهَرَهْ [6]

فَيْلَقٌ فِيهَا أَبُو كَرِبٍ ... سُبَّغٌ أَبْدَانُهَا ذَفِرَهْ [7]

ثُمَّ قَالُوا: مَنْ نَؤُمُّ بِهَا ... أَبَنِي عَوْف أَن النَّجَرَهْ [8]

حواشي المحقق · صفحة 22

[1] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ. [2] الذّكر: جمع ذكرة (كغرفة) ، وَهِي بِمَعْنى الذكرى نقيض النسْيَان وَرِوَايَة هَذَا الشّطْر فِي الطَّبَرِيّ: أَصْحَاب أم انْتهى ذكره. [3] أَرَادَ: «أَو عصره» (بِالضَّمِّ) . وَالْعصر (بِفَتْح الْعين وَضمّهَا) بِمَعْنى، وحرك الصَّاد بِالضَّمِّ. قَالَ ابْن جنى: وَلَيْسَ شَيْء على وزن فعل (بِسُكُون الْعين) يمْتَنع فِيهِ فعل. [4] يُرِيد: أَي لَيست بصغيرة وَلَا جَذَعَة، بل هِيَ فَوق ذَلِك، وَضرب من الرّبَاعِيّة مثلا، كَمَا يُقَال حَرْب عوان، لِأَن الْعوَان أقوى من الْفتية وأدرب. [5] ويروى: «غدوا» (بالغين الْمُعْجَمَة) ، وَهُوَ الغدوة. [6] أَي صبحهمْ بِغَلَس قبل مغيب الزهرة، والزهرة: الْكَوْكَب الْمَعْلُوم. وَرِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي الطَّبَرِيّ فسلا عمرَان أَو فسلا ... أسدا إِذْ يَغْدُو مَعَ الزهرة [7] سبغ: كَامِلَة. والأبدان هُنَا: الدروع. وذفره: من الذفر، وَهُوَ سطوع الرَّائِحَة طيبَة كَانَت أَو كريهة، وَأما الدفر (بِالدَّال الْمُهْملَة) فَهُوَ فِيمَا كره من الروائح. [8] يُرِيد بنى النجار، وَهَذَا كَمَا قيل المناذرة فِي بنى الْمُنْذر. والنجرة: جمع ناجر، والناجر والنجار بِمَعْنى وَاحِد، وَبَنُو النجار: هم تيم الله بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج وسمى النجار لِأَنَّهُ- فِيمَا ذكر- نجر وَجه رجل بقدوم.

بَلْ بَنِي النَّجَّارِ إنَّ لَنَا ... فِيهِمْ قَتْلَى وَإِنَّ تِرَهْ [1] فَتَلَقَّتْهُمْ مُسَايِفَةٌ ... مُدُّهَا كَالغَبْيَةِ النَّثِرَهْ [2] فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ طَلَّةَ مَلَّى ... الْإِلَهُ [3] قَوْمَهُ عُمُرَهْ سَيْدٌ سَامِي [4] الْمُلُوكِ وَمَنْ ... رَامَ عَمْرًا لَا يَكُنْ قَدَرَهْ وَهَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ حَنَقُ تُبَّعٍ عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ يَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ هَلَاكَهُمْ فَمَنَعُوهُمْ مِنْهُ، حَتَّى انْصَرَفَ عَنْهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي شِعْرِهِ: حَنَقًا عَلَى سَبْطَيْنِ حَلَّا يَثْرِبَا ... أَوْلَى لَهُمْ بِعِقَابِ يَوْمٍ مُفْسِدِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الشِّعْرُ الَّذِي فِي هَذَا الْبَيْتِ مَصْنُوعٌ، فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَنَا مِنْ إثْبَاتِهِ. (اعْتِنَاقُ تُبَّانَ النصرانيَّةَ، وَكِسْوَتُهُ الْبَيْتَ وَتَعْظِيمَهُ وَشِعْرُ سُبَيعَةَ فِي ذَلِكَ) : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ تُبَّعٌ وَقَوْمُهُ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ يَعْبُدُونَهَا، فَتَوَجَّهَ إلَى مَكَّةَ، وَهِيَ طَرِيقُهُ إلَى الْيَمَنِ، حَتَّى إذَا كَانَ بَيْنَ عُسْفانَ، وَأَمَجٍ [5] ، أَتَاهُ نَفَرٌ مِنْ

حواشي المحقق · صفحة 23

[1] الترة: طلب الثأر. أَرَادَ: إِن لنا قَتْلَى وترة، فأظهر الْمُضمر، وَهَذَا الْبَيْت شَاهد على حُرُوف الْعَطف يضمر بعْدهَا الْعَامِل الْمُتَقَدّم، نَحْو قَوْلك: إِن زيدا وعمرا فِي الدَّار. فالتقدير: إِن زيدا، وَإِن عمرا فِي الدَّار، فقد دلّت الْوَاو على مَا أردْت، وَإِن احتجت إِلَى الْإِظْهَار أظهرت، كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت، إِلَّا أَن تكون الْوَاو الجامعة، نَحْو اخْتصم زيد وَعَمْرو، فَلَيْسَ ثمَّ إِضْمَار، لقِيَام الْوَاو مقَام صفة التَّثْنِيَة. وعَلى هَذَا تَقول: طلع الشَّمْس وَالْقَمَر، فتغلب الْمُذكر، كَأَنَّك قلت: طلع هَذَانِ النيرَان، فَإِن جعلت الْوَاو هِيَ الَّتِي تضمر بعْدهَا الْفِعْل. قلت طلعت الشَّمْس وَالْقَمَر، وَتقول فِي نفى الْمَسْأَلَة الأولى: مَا طلع الشَّمْس وَالْقَمَر، وَفِي نفى الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: مَا طلعت الشَّمْس وَلَا الْقَمَر، تعيد حرف النَّفْي لينتفى بِهِ الْفِعْل الْمُضمر (عَن الرَّوْض الْأنف) . [2] الغبية: الدفعة من الْمَطَر. والنثرة: المنتثرة، وَهِي الَّتِي لَا تمسك مَاء. [3] ملي الْإِلَه قومه: أمتعهم بِهِ. [4] سامى: سَاوَى. ويروى: «سَام» ، أَي كلفهم أَن يَكُونُوا مثله، فَلم يقدروا على ذَلِك. [5] عسفان (بِضَم أَوله وَسُكُون ثَانِيَة ثمَّ فَاء وَآخره نون) : فعلان من عسفت الْمَفَازَة، وَهُوَ يعسفها، وَهُوَ قطعهَا بِلَا هِدَايَة وَلَا قصد، وَكَذَلِكَ كل أَمر يركب بِغَيْر روية. قيل: سميت عسفان لتعسف اللَّيْل فِيهَا، كَمَا سميت الْأَبْوَاء لتبوّئ السَّيْل بهَا. قَالَ أَبُو مَنْصُور: عسفان: منهلة من مناهل الطَّرِيق بَين الْجحْفَة وَمَكَّة. وَقَالَ غَيره: عسفان: بَين المسجدين، وَهِي من مَكَّة على مرحلَتَيْنِ، وَقيل: عسفان: قَرْيَة جَامِعَة.

هُذَيلِ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ، فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَلَا نَدُلُّكَ عَلَى بَيْتِ مَالٍ دَاثِرٍ أَغَفَلَتْهُ الْمُلُوكُ قَبْلَكَ، فِيهِ اللُّؤْلُؤُ وَالزَّبَرْجَدُ وَالْيَاقُوتُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالُوا: بَيْتٌ بِمَكَّةَ يَعْبُدُهُ أَهْلُهُ، وَيُصَلُّونَ عِنْدَهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْهُذَلِيُّونَ هَلَاكَهُ بِذَلِكَ، لِمَا عَرَفُوا مِنْ هَلَاكِ مَنْ أَرَادَهُ مِنْ الْمُلُوكِ وَبَغَى عِنْدَهُ. فَلَمَّا أَجْمَعَ لِمَا قَالُوا أَرْسَلَ إلَى الْحَبْرَيْنِ، فَسَأَلَهُمَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَا لَهُ:

مَا أَرَادَ الْقَوْمُ إلَّا هَلَاكَكَ وَهَلَاكَ جُنْدِكَ، مَا نَعْلَمُ بَيْتًا للَّه اتَّخَذَهُ فِي الْأَرْضِ لِنَفْسِهِ غَيْرَهُ، وَلَئِنْ فَعَلْتَ مَا دَعَوْكَ إلَيْهِ لَتَهْلَكَنَّ وَلَيَهْلَكَنَّ مَنْ مَعَكَ جَمِيعًا، قَالَ: فَمَاذَا تَأْمُرَانِنِي أَنْ أَصْنَعَ إذَا أَنَا قَدِمْتُ عَلَيْهِ؟ قَالَا: تَصْنَعُ عِنْدَهُ مَا يَصْنَعُ أَهْلُهُ: تَطُوفُ بِهِ وَتُعَظِّمُهُ وَتُكْرِمُهُ، وَتَحْلِقُ رَأْسَكَ عِنْدَهُ، وَتَذِلُّ لَهُ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْتُمَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ إنَّهُ لَبَيْتُ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ، وَإِنَّهُ لَكَمَا أَخْبَرْنَاكَ، وَلَكِنَّ أَهْلَهُ حَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ بِالْأَوْثَانِ الَّتِي نَصَبُوهَا حَوْلَهُ، وَبِالدِّمَاءِ الَّتِي يُهْرِقُونَ عِنْدَهُ، وَهُمْ نَجَسٌ أَهْلُ شِرْكٍ- أَوْ كَمَا قَالَا لَهُ- فَعَرَفَ نُصْحَهُمَا وَصِدْقَ حَدِيثِهِمَا فَقَرَّبَ النَّفَرَ مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَنَحَرَ عِنْدَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ سِتَّةَ أَيَّامٍ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- يَنْحَرُ بِهَا لِلنَّاسِ، وَيُطْعِمُ أَهْلَهَا وَيَسْقِيهِمْ الْعَسَلَ، وَأُرَى فِي الْمَنَامِ أَنْ يَكْسُوَ الْبَيْتَ، فَكَسَاهُ الْخَصَفَ [1] ، ثُمَّ أُرَى أَنْ يَكْسُوَهُ أَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ، فَكَسَاهُ الْمَعَافِرَ [2] ، ثُمَّ أُرَى أَنْ يَكْسُوَهُ أَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ، فَكَسَاهُ الْمُلَاءَ وَالْوَصَائِلَ [3] ، فَكَانَ تُبَّعٌ- فِيمَا يَزْعُمُونَ-

[ ]

حواشي المحقق · صفحة 24

(بهَا مِنْبَر ونخيل ومزارع على سِتَّة وَثَلَاثِينَ ميلًا من مَكَّة، وَهِي حد تهَامَة، وَمن عسفان إِلَى ملل يُقَال لَهُ السَّاحِل، وملل على لَيْلَة من الْمَدِينَة. وَقَالَ السكرى: عسفان: على مرحلَتَيْنِ من مَكَّة على طَرِيق الْمَدِينَة، والجحفة على ثَلَاث مراحل وَقد غزا- النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنى لحيان بعسفان، وَقد مضى لهجرته خمس سِنِين وشهران وَأحد عشر يَوْمًا وأمج (بِالْجِيم وَفتح أَوله وثانيه، والأمج فِي اللُّغَة: الْعَطش) : بلد من أَعْرَاض الْمَدِينَة. وَقَالَ أَبُو الْمُنْذر هِشَام بن مُحَمَّد: أمج وغران: واديان يأخذان من حرَّة بنى سليم ويفرغان فِي الْبَحْر. [1] الخصف: حصر تنسج من خوص النّخل وَمن الليف. فيسوى مِنْهَا شقق تلبس بيُوت الْأَعْرَاب. [2] المعافر: ثِيَاب تنْسب إِلَى قَبيلَة من الْيمن. وَأَصله الْمعَافِرِي، ثمَّ صَار اسْما لَهَا بِغَيْر نِسْبَة. [3] الملاء: جمع ملاءة، وَهِي الملحفة. والوصائل: ثِيَاب مخططة يمنية، يُوصل بَعْضهَا إِلَى بعض.

أَوَّلَ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ [1] ، وَأَوْصَى بِهِ وُلَاتَهُ مِنْ جُرْهُمٍ، وَأَمَرَهُمْ بِتَطْهِيرِهِ وَأَلَّا يُقَرِّبُوهُ دَمًا وَلَا مِيتَةً وَلَا مِئْلَاةً [2] ، وَهِيَ الْمَحَايِضُ [3] ، وَجَعَلَ لَهُ بَابًا وَمِفْتَاحًا [4] وَقَالَتْ سُبَيعَةُ بِنْتُ الْأَحَبِّ [5] بْنِ زَبِينةَ [6] بْنِ جَذِيمَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ ابْن هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، وَكَانَتْ عِنْدَ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ ابْن مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، لِابْنِ لَهَا مِنْهُ يُقَالُ لَهُ خَالِدٌ، تُعَظِّمُ عَلَيْهِ حُرْمَةَ مَكَّةَ، وَتَنْهَاهُ عَنْ الْبَغْيِ فِيهَا، وَتَذْكُرُ تُبَّعًا وَتَذَلُّلَهُ لَهَا، وَمَا صَنَعَ بِهَا [7] :

أَبُنَيَّ لَا تَظْلِمْ بِمَكَّةَ ... لَا الصَّغِيرَ وَلَا الْكَبِيرْ

واحفظ محارمها بنىّ ... وَلَا يَغُرَّنكَ الغَرورْ

أَبُنَيَّ مَنْ يَظْلِمْ بِمَكَّةَ ... يَلْقَ أَطْرَافَ الشُّرورْ

حواشي المحقق · صفحة 25

[1] كَانَت قُرَيْش فِي زمن الْجَاهِلِيَّة تشترك فِي كسْوَة الْكَعْبَة، حَتَّى نَشأ أَبُو ربيعَة بن الْمُغيرَة، فَقَالَ: أَنا أكسو الْكَعْبَة سنة وحدي، وَجَمِيع قُرَيْش سنة، وَاسْتمرّ يفعل ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ. ثمَّ كساها النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثِّيَاب اليمانية، وَكَسَاهَا أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وعَلى. وكسيت فِي زمن الْمَأْمُون والمتوكل وَالْعَبَّاس، ثمَّ فِي زمن النَّاصِر العباسي كُسِيت السوَاد من الْحَرِير، ثمَّ هِيَ تُكْسَى إِلَى الْآن فِي كل سنة، وَيُقَال: إِن أول من كسا الْكَعْبَة الديباج الْحجَّاج، وَقيل: بل عبد الله بن الزبير. [2] كَذَا فِي ط، والطبري، والمئلاة: خرقَة الْحيض، وَجَمعهَا: المآلى، وَفِي سَائِر الْأُصُول «مثلاثا» بالثاء الْمُثَلَّثَة، وَلَا معنى لَهَا. [3] لَعَلَّه يُرِيد: المحيضة (وَاحِدَة المحايض) ، وَهِي خرقَة الْحيض، إِذْ السِّيَاق يَقْتَضِي الْإِفْرَاد. [4] ويروون لتبع هَذَا شعرًا حِين كسا الْبَيْت، وَهُوَ: كسونا الْبَيْت الّذي حرم الله ... ملاء منضدا وبرودا فَأَقَمْنَا بِهِ من الشَّهْر عشرا ... وَجَعَلنَا لبَابَة إقليدا ونحرنا بِالشعبِ سِتَّة ألف ... فترى النَّاس نحوهن ورودا ثمَّ سرنا عَنهُ نَؤُم مهيلا ... فرفعنا لواءنا معقودا [5] وتروى الْكَلِمَة بِالْجِيم بدل الْحَاء. [6] زبينة (بالزاي وَالْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ الْيَاء وَالنُّون) : فعيلة من الزَّبْن، وَالنّسب إِلَيْهَا زبانى على غير قِيَاس. وَلَو سمى بِهِ رجل لقيل فِي النّسَب إِلَيْهِ زبني على الْقيَاس. [7] وَقيل: إِنَّمَا قَالَت بنت الأحب هَذَا الشّعْر فِي حَرْب كَانَت بَين بنى السباق بن عبد الدَّار وَبَين بنى على بن سعد بن تيم حِين تفانوا، وَلَحِقت طَائِفَة من بنى السباق بعك فهم فيهم، وَيُقَال إِنَّه أول بغى كَانَ فِي قُرَيْش. (عَن الرَّوْض الْأنف) .

أَبُنَيَّ يُضْرَبْ وَجْهُهُ ... وَيَلُحْ بِخَدَّيْهِ السَّعيرْ أَبُنَيَّ قَدْ جَرَّبْتهَا ... فَوَجَدْتُ ظَالِمهَا يَبُورْ [1] اللَّهُ أَمَّنَهَا وَمَا ... بُنِيَتْ بِعَرْصَتِهَا قُصورْ وَاَللَّهُ أَمَّنَ طَيْرَهَا ... وَالْعُصْمُ [2] تَأْمَنُ فِي ثَبيرْ [3] وَلَقَدْ غَزَاهَا تُبَّعٌ ... فَكَسَا بَنِيَّتَهَا الْحَبِيرْ [4] وَأَذَلَّ رَبِّي مُلْكَهُ ... فِيهَا فَأَوْفَى بالنُّذُورْ يَمْشِي إلَيْهَا حَافِيًا ... بِفِنَائِهَا أَلْفَا بَعِيرْ وَيَظَلُّ يُطْعِمُ أَهْلَهَا ... لَحْمَ الْمَهَارَى [5] والجَزورْ يَسْقِيهِمْ الْعَسَلَ الْمُصَفَّى ... وَالرَّحِيضَ [6] مِنْ الشعيرْ وَالْفِيلُ أُهْلِكَ جَيْشُهُ ... يُرْمَوْنَ فِيهَا بِالصُّخُورْ وَالْمُلْكَ فِي أقْصَى الْبِلَاد ... وَفِي الْأَعَاجِمِ وَالْخَزِيرْ [7] فَاسْمَعْ إذَا حُدِّثْتَ وَافْهَمْ ... كَيْفَ عَاقِبَةُ الأمورْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُوقَفُ عَلَى قَوَافِيهَا لَا تُعْرَبُ [8] . (دَعْوَةُ تُبَّانَ قَوْمَهُ إلَى النصرانيَّة، وَتَحْكِيمُهُمْ النَّارَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ) . ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مُتَوَجِّهًا إلَى الْيَمَنِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ جُنُودِهِ وَبِالْحَبْرَيْنِ، حَتَّى إذَا دَخَلَ

حواشي المحقق · صفحة 26

[1] يبور: يهْلك. [2] العصم: الوعول، لِأَنَّهَا تعتصم بالجبال. [3] ثبير: جبل بِمَكَّة. [4] بنيتها: يعْنى الْكَعْبَة. والحبير: ضرب من ثِيَاب الْيمن موشى. [5] المهارى: الْإِبِل العراب النجيبة. [6] الرحيض: المنقى، والمصفى. [7] كَذَا فِي شرح السِّيرَة. والخزير: أمة من الْعَجم، وَيُقَال لَهَا الخزر أَيْضا. وَفِي أ: «الجزير» قَالَ أَبُو ذَر: «وَيحْتَمل أَن يكون جمع جَزِيرَة بِبِلَاد الْعَرَب» . وَفِي م، ر: «الخذير» وَلَا معنى لَهَا. [8] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «قَالَ ابْن هِشَام: وَهَذَا الشّعْر مُقَيّد، والمقيد: الّذي لَا يرفع وَلَا ينصب وَلَا يخْفض» .

الْيَمَنَ دَعَا قَوْمَهُ إلَى الدُّخُولِ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، حَتَّى يُحَاكِمُوهُ إلَى النَّارِ الَّتِي كَانَتْ بِالْيَمَنِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكِ القُرَظيُّ، قَالَ سَمِعْتُ إبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ: أَنَّ تُبَّعًا لَمَّا دَنَا مِنْ الْيَمَنِ لِيَدْخُلَهَا حَالَتْ حِمْيَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ: وَقَالُوا: لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْنَا، وَقَدْ فَارَقْتَ دِينَنَا، فَدَعَاهُمْ إلَى دِينِهِ وَقَالَ: إنَّهُ خَيْرٌ مِنْ دِينِكُمْ، فَقَالُوا: فَحَاكِمْنَا إلَى النَّارِ، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَكَانَتْ بِالْيَمَنِ- فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْيَمَنِ- نَارٌ تَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، تَأْكُلُ الظَّالِمَ وَلَا تَضُرُّ الْمَظْلُومَ، فَخَرَجَ قَوْمُهُ بِأَوْثَانِهِمْ وَمَا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ فِي دِينِهِمْ، وَخَرَجَ الْحَبْرَانِ بِمَصَاحِفِهِمَا فِي أَعْنَاقِهِمَا مُتَقَلِّدَيْهَا، حَتَّى قَعَدُوا لِلنَّارِ عِنْدَ مَخْرَجِهَا الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ، فَخَرَجَتْ النَّارُ إلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَقْبَلَتْ نَحْوَهُمْ حَادُوا عَنْهَا وَهَابُوهَا، فَذَمَرَهُمْ [1] مَنْ حَضَرَهُمْ مِنْ النَّاسِ، وَأَمَرُوهُمْ بِالصَّبْرِ لَهَا، فَصَبَرُوا حَتَّى غَشِيَتْهُمْ، فَأَكَلَتْ الْأَوْثَانَ وَمَا قَرَّبُوا مَعَهَا، وَمَنْ حَمَلَ ذَلِكَ مِنْ رِجَالِ حِمْيَرَ، وَخَرَجَ الْحَبْرَانِ بِمَصَاحِفِهِمَا فِي أَعْنَاقِهِمَا تَعْرَقُ جِبَاهُهُمَا لَمْ تَضُرَّهُمَا فَأُصْفِقَتْ [2] عِنْدَ ذَلِكَ حِمْيَرُ عَلَى دِينِهِ، فَمِنْ هُنَالِكَ وَعَنْ ذَلِكَ كَانَ أَصْلُ الْيَهُودِيَّةِ بِالْيَمَنِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ أَنَّ الْحَبْرَيْنِ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ حِمْيَرَ، إنَّمَا اتَّبَعُوا النَّارَ لِيَرُدُّوهَا، وَقَالُوا: مَنْ رَدَّهَا فَهُوَ أَوْلَى بِالْحَقِّ، فَدَنَا مِنْهَا رِجَالٌ مِنْ حِمْيَرَ بِأَوْثَانِهِمْ لِيَرُدُّوهَا فَدَنَتْ مِنْهُمْ لِتَأْكُلَهُمْ، فَحَادُوا عَنْهَا وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا رَدَّهَا، وَدَنَا مِنْهَا الْحَبْرَانِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَجَعَلَا يَتْلُوَانِ التَّوْرَاةَ وَتَنْكُصُ عَنْهُمَا، حَتَّى رَدَّاهَا إلَى مَخْرَجِهَا الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ، فَأُصْفِقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ حِمْيَرُ عَلَى دِينِهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. (رئَامٌ وَمَا صَارَ إلَيْهِ) : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رِئَامٌ [3] بَيْتًا لَهُمْ يُعَظِّمُونَهُ، وَيَنْحَرُونَ عِنْدَهُ، وَيَكَلَّمُونَ

حواشي المحقق · صفحة 27

[1] ذمرهم: حضهم وشجعهم. [2] يُقَال: أصفقوا على الْأَمر، إِذا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ. [3] بَيت رئام: اسْم لموْضِع الرَّحْمَة الَّتِي كَانُوا يلتمسونها مِنْهُ. مَأْخُوذ من رأم الْأُنْثَى وَلَدهَا، وَذَلِكَ إِذا عطفت عَلَيْهِ وَرَحمته.

(مِنْهُ) [1] إذْ كَانُوا عَلَى شِرْكِهِمْ؟ فَقَالَ الْحَبْرَانِ لِتُبَّعِ: إنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ يَفْتِنُهُمْ بِذَلِكَ فَخَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، قَالَ: فَشَأْنُكُمَا بِهِ، فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ- فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْيَمَنِ- كَلْبًا أَسْوَدَ فَذَبَحَاهُ، ثُمَّ هَدَمَا ذَلِكَ الْبَيْتَ، فَبَقَايَاهُ الْيَوْمَ- كَمَا ذُكِرَ لِي- بِهَا آثَارُ الدِّمَاءِ الَّتِي كَانَتْ تُهْرَاقُ عَلَيْهِ. مُلْكُ ابْنِهِ حَسَّانَ بْنِ تُبَّانَ وَقَتْلُ عَمْرٍو أَخِيهِ (لَهُ) [2] (سَبَبُ قَتْلِهِ) : فَلَمَّا مَلَكَ ابْنُهُ حَسَّانُ بْنُ تُبَّانَ أَسْعَدَ أَبِي كَرِبٍ سَارَ بِأَهْلِ الْيَمَنِ يُرِيدُ أَنْ يَطَأَ بِهِمْ أَرْضَ الْعَرَبِ وَأَرْضَ الْأَعَاجِمِ، حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ أَرْضِ الْعِرَاقِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بالَبحريْنِ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ- كَرِهَتْ حِمْيَرُ وَقَبَائِلُ الْيَمَنِ الْمَسِيرَ مَعَهُ، وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إلَى بِلَادِهِمْ وَأَهْلِهِمْ، فَكَلَّمُوا أَخًا لَهُ يُقَالُ لَهُ عَمْرٌو، وَكَانَ مَعَهُ فِي جَيْشِهِ، فَقَالُوا لَهُ: اُقْتُلْ أَخَاكَ حَسَّانَ وَنُمَلِّكُكَ عَلَيْنَا، وَتَرْجِعُ بِنَا إلَى بِلَادِنَا، فَأَجَابَهُمْ. فَاجْتَمَعَتْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا ذَا رُعَيْنٍ [3] الْحِمْيَرِيُّ، فَإِنَّهُ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَقَالَ ذُو رُعَيْنٍ: أَلَا مَنْ يَشْتَرِي سَهْرًا بِنَوْمِ ... سَعِيدٌ مَنْ يَبِيتُ قَرِيرَ عَيْنِ [4] فَأَمَّا حِمْيَرُ غَدَرَتْ وَخَانَتْ ... فَمَعْذِرَةُ الْإِلَهِ لَذِي رُعَيْنِ ثُمَّ كَتَبَهُمَا فِي رُقْعَةٍ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا عَمْرًا، فَقَالَ لَهُ: ضَعْ لِي هَذَا الْكِتَابَ عنْدك، فَفعل، ثمَّ قَتَلَ عَمْرٌو أَخَاهُ حَسَّانَ، وَرَجَعَ بِمَنْ مَعَهُ إلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ:

حواشي المحقق · صفحة 28

[1] زِيَادَة عَن أ. [2] زِيَادَة يقتضيها السِّيَاق. [3] رعين: تَصْغِير رعن. والرعن: أنف الْجَبَل. وَقيل: رعين: جبل بِالْيمن، وَإِلَيْهِ ينْسب ذُو رعين هَذَا. [4] فِي الْبَيْت حذف تَقْدِيره: من يشترى سهرا بنوم غير سعيد، بل من يبيت قرير الْعين هُوَ السعيد، فَحذف الْخَبَر لدلَالَة أول الْكَلَام عَلَيْهِ.

لَاهِ [1] عَيْنَا الَّذِي رأى مثل حسّان ... قَتِيلًا فِي سَالِفِ الْأَحْقَابِ قَتَلَتْهُ مَقاوِلٌ [2] خَشْيَةَ الْحَبْسِ ... غَدَاةً قَالُوا: لَبَابِ لَبَابِ مَيْتُكُمْ خَيْرُنَا وَحَيُّكُمْ ... رَبٌّ عَلَيْنَا وَكُلُّكُمْ أَرْبَابِي قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَوْلُهُ لَبَابِ لَبَابِ: لَا بَأْسَ لَا بَأْسَ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ [3] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: لِبَابِ لِبَابِ. (نَدَمُ عَمْرٍو وَهَلَاكُهُ) : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا نَزَلَ عَمْرُو بْنُ تُبَّانَ الْيَمَنَ مُنِعَ مِنْهُ النَّوْمُ، وَسُلِّطَ عَلَيْهِ السَّهَرُ، فَلَمَّا جَهَدَهُ ذَلِكَ سَأَلَ الْأَطِبَّاءَ والْحُزَاةَ [4] مِنْ الْكُهَّانِ وَالْعَرَّافِينَ [5] عَمَّا بِهِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مِنْهُمْ: إنَّهُ وَاَللَّهِ مَا قَتَلَ رَجُلٌ قَطُّ أَخَاهُ، أَوْ ذَا رَحِمِهِ بَغْيًا عَلَى مِثْلِ مَا قَتَلْتَ أَخَاكَ عَلَيْهِ، إلَّا ذَهَبَ نَوْمُهُ، وَسُلِّطَ عَلَيْهِ السَّهَرُ. فَلَمَّا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ جَعَلَ يَقْتُلُ كُلَّ مَنْ أَمَرَهُ بِقَتْلِ أَخِيهِ حَسَّانَ مِنْ أَشْرَافِ الْيَمَنِ، حَتَّى خَلَصَ إلَى ذِي رُعَيْنٍ، فَقَالَ لَهُ ذُو رُعَيْنٍ: إنَّ لِي عِنْدَكَ بَرَاءَةً، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: الْكِتَابُ الَّذِي دَفَعْتُ إلَيْكَ، فَأَخْرَجَهُ فَإِذَا فِيهِ الْبَيْتَانِ، فَتَرَكَهُ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ نَصَحَهُ. وَهَلَكَ عَمْرٌو، فَمَرَجَ [6] أَمْرُ حِمْيَرَ عِنْدَ ذَلِكَ وتفرّقوا.