تخطَّ إلى المحتوى
مقدمات السيرة والنسب النبوي ←

غلب قصي بن كلاب على أمر مكة وجمعه أمر قريش ومعونة قضاعة له

سيرة ابن هشام · الجزء 1 · الصفحات 123–130

اقرأ الفصل كاملًا: ذكر سرد النسب الزكي من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إلى آدم عليه السلام
فهرس موضوعات الفصل (256)
  1. نهج ابن هشام في هذا الكتاب
  2. سياقة النسب من ولد إسماعيل عليه السلام
  3. أولاد إسماعيل عليه السلام ونسب أمهم
  4. عمر إسماعيل عليه السلام ومدفنه
  5. موطن هاجر
  6. وصاة الرسول صلى الله عليه وسلم بأهل مصر وسبب ذلك
  7. أصل العرب
  8. أولاد عدنان
  9. موطن عك
  10. أولاد معد
  11. قضاعة
  12. قنص بن معد، ونسب النعمان بن المنذر
  13. نسب لخم بن عدي
  14. أمر عمرو بن عامر في خروجه من اليمن وقصة سد مارب
  15. أمر ربيعة بن نصر ملك اليمن وقصة شق وسطيح الكاهنين معه
  16. رؤيا ربيعة بن نصر
  17. نسب سطيح وشق
  18. نسب بجيلة
  19. ربيعة بن نصر وسطيح)
  20. ربيعة بن نصر وشق
  21. هجرة ربيعة بن نصر إلى العراق
  22. نسب النعمان بن المنذر
  23. استيلاء أبى كرب تبان أسعد على ملك اليمن وغزوة إلى يثرب
  24. شيء من سيرة تبان
  25. غضب تبان على أهل المدينة، وسبب ذلك
  26. نسب عمرو بن طلة
  27. سبب قتال تبان لأهل المدينة
  28. انصراف تبان عن إهلاك المدينة، وشعر خالد في ذلك
  29. اعتناق تبان النصرانية، وكسوته البيت وتعظيمه وشعر سبيعة في ذلك
  30. دعوة تبان قومه إلى النصرانية، وتحكيمهم النار بينهم وبينه)
  31. رئام وما صار إليه
  32. ملك ابنه حسان بن تبان وقتل عمرو أخيه (له
  33. سبب قتله
  34. ندم عمرو وهلاكه
  35. وثوب لخنيعة ذي شناتر على ملك اليمن
  36. توليه الملك، وشيء من سيرته، ثم قتله
  37. ملك ذي نواس
  38. النصرانية بنجران
  39. ابتداء وقوع النصرانية بنجران
  40. فيميون وصالح ونشر النصرانية بنجران
  41. أمر عبد الله بن الثامر، وقصة أصحاب الأخدود
  42. فيميون وابن الثامر واسم الله الأعظم
  43. ابن الثامر ودعوته إلى النصرانية بنجران
  44. ذو نواس وخد الأخدود
  45. الأخدود لغة
  46. مقتل ابن الثامر
  47. ما يروى عن ابن الثامر في قبره
  48. أمر دوس ذي ثعلبان، وابتداء ملك الحبشة وذكر أرباط المستولى على اليمن
  49. فرار دوس واستنصاره بقيصر
  50. انتصار أرياط وهزيمة ذي نواس وموته
  51. شعر في دوس وما كان منه
  52. نسب زبيد
  53. سبب قول عمرو بن معديكرب هذا الشعر
  54. صدق كهانة سطيح وشق
  55. غلب أبرهة الأشرم على أمر اليمن، وقتل أرياط
  56. ما كان بين أرياط وأبرهة
  57. غضب النجاشي على أبرهة لقتله أرياط ثم رضاؤه عنه
  58. أمر الفيل، وقصة النسأة
  59. بناء القليس
  60. معنى النسأة
  61. المواطأة لغة
  62. تاريخ النسء عند العرب
  63. إحداث الكناني في القليس، وحملة أبرهة على الكعبة
  64. هزيمة ذي نفر أمام أبرهة
  65. ما وقع بين نفيل وأبرهة
  66. ابن معتب وأبرهة
  67. نسب ثقيف وشعر ابن أبى الصلت في ذلك
  68. استسلام أهل الطائف لأبرهة
  69. اللات
  70. معونة أبى رغال لأبرهة وموته وقبره
  71. الأسود واعتداؤه على مكة
  72. حناطة وعبد المطلب
  73. ذو نفر وأنيس وتوسطهما لعبد المطلب لدى أبرهة
  74. عبد المطلب وحناطة وخويلد بين يدي أبرهة
  75. عبد المطلب في الكعبة يستنصر بالله على رد أبرهة
  76. شعر لعكرمة في الدعاء على الأسود بن مقصود
  77. دخول أبرهة مكة، وما وقع له ولفيله، وشعر نفيل في ذلك
  78. ما ذكر في القرآن عن قصة الفيل، وشرح ابن هشام لمفرداته
  79. ما أصاب قائد الفيل وسائسه
  80. ما قيل في صفة الفيل من الشعر
  81. إعظام العرب قريشا بعد حادثة الفيل
  82. شعر ابن الزبعري في وقعة الفيل
  83. شعر ابن الأسلت في وقعة الفيل
  84. شعر طالب في وقعة الفيل
  85. شعر أبى الصلت في وقعة الفيل
  86. شعر الفرزدق في وقعة الفيل
  87. شعر ابن الرقيات في وقعة الفيل
  88. ملك يكسوم ثم مسروق على اليمن
  89. خروج سيف بن ذي يزن وملك وهرز على اليمن
  90. ابن ذي يزن عند قيصر
  91. توسط النعمان لابن ذي يزن لدى كسرى
  92. ابن ذي يزن بين يدي كسرى، ومعاونة كسرى له
  93. وهرز وسيف بن ذي يزن وانتصارهما على مسروق وما قيل في ذلك من الشعر
  94. هزيمة الأحباش، ونبوءة سطيح وشق
  95. ذكر ما انتهى إليه أمر الفرس باليمن
  96. ملك الحبشة في اليمن وملوكهم
  97. ملوك الفرس على اليمن
  98. كسرى وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم
  99. إسلام باذان
  100. سلمان منا
  101. بعثة النبي، ونبوءة سطيح وشق
  102. الحجر الذي وجد باليمن
  103. شعر الأعشى في نبوءة سطيح وشق
  104. قصة ملك الحضر
  105. نسب النعمان، وشيء عن الحضر، وشعر عدي فيه
  106. دخول سابور الحضر، وزواجه بنت ساطرون، وما وقع بينهما
  107. ذكر ولد نزار بن معد
  108. أولاده في رأى ابن إسحاق وابن هشام
  109. أولاد أنمار
  110. أولاد مضر
  111. أولاد إلياس
  112. شيء عن خندف وأولادها
  113. قصة عمرو بن لحي وذكر أصنام العرب
  114. رآه النبي صلى الله عليه وسلم يجر قصبه في النار
  115. جلب الأصنام من الشام إلى مكة
  116. أول عبادة الحجارة كانت في بنى إسماعيل
  117. الأصنام عند قوم نوح
  118. القبائل وأصنامها، وشيء عنها
  119. رأى ابن هشام في نسب كلب بن وبرة
  120. يغوث وعبدته
  121. رأى ابن هشام في أنعم، وفي نسب طيئ
  122. يعوق وعبدته
  123. همدان ونسبه
  124. نسر وعبدته
  125. نسب خولان
  126. سعد وعبدته
  127. صنم دوس
  128. نسب دوس
  129. هبل
  130. إساف ونائلة، وحديث عائشة عنهما
  131. ما كان يفعله العرب مع الأصنام
  132. العزى وسدنتها
  133. معنى السدنة
  134. اللات وسدنتها
  135. مناة وسدنتها وهدمها
  136. ذو الخلصة وسدنته وهدمه
  137. فلس وسدنته وهدمه
  138. رئام
  139. رضاء وسدنته
  140. المستوغر وعمره
  141. ذو الكعبات وسدنته
  142. أمر البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى
  143. رأى ابن إسحاق فيها
  144. رأى ابن هشام فيها
  145. البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى لغة
  146. عدنا إلى سياقة النسب
  147. نسب خزاعة
  148. أولاد مدركة وخزيمة
  149. أولاد كنانة وأمهاتهم
  150. أولاد النضر وأمهاتهم
  151. ولد مالك بن النضر وأمه
  152. أولاد فهر وأمهاتهم
  153. أولاد غالب وأمهاتهم
  154. أولاد لؤي وأمهاتهم
  155. أمر سامة
  156. رحلته إلى عمان وموته
  157. أمر عوف بن لؤي ونقلته
  158. سبب انتمائه إلى بنى ذبيان
  159. نسب مرة
  160. سادات مرة
  161. هاشم بن حرملة، وعامر الخصفى
  162. مرة والبسل
  163. أمر البسل
  164. تعريف البسل، ونسب زهير الشاعر
  165. أولاد كعب وأمهم
  166. أولاد مرة وأمهاتهم
  167. نسب بارق
  168. ولدا كلاب وأمهما
  169. نسب جعثمة
  170. بقية أولاد كلاب
  171. أولاد قصي وأمهم
  172. أولاد عبد مناف وأمهاتهم
  173. نسب عتبة بن غزوان
  174. عود إلى أولاد عبد مناف
  175. أولاد هاشم وأمهاتهم
  176. أولاد عبد المطلب بن هاشم
  177. عددهم وأمهاتهم
  178. رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمهاته
  179. إشارة إلى ذكر احتفار زمزم
  180. شيء عن زمزم
  181. أمر جرهم ودفن زمزم
  182. ولاة البيت
  183. جرهم وقطوراء، وما كان بينهما
  184. أولاد إسماعيل وجرهم بمكة
  185. استيلاء قوم كنانة وخزاعة على البيت وفي جرهم
  186. بغى جرهم بمكة وطرد بنى بكر لهم
  187. بكة لغة
  188. استبداد قوم من خزاعة بولاية البيت
  189. تزوج قصي بن كلاب حبي بنت حليل
  190. أولاد قصي
  191. تولى قصي أمر البيت ونصرة رزاح له
  192. ما كان يليه الغوث بن مر من الإجازة للناس بالحج
  193. صوفة ورمى الجمار
  194. تولى بنى سعد أمر البيت بعد صوفة
  195. نسب صفوان
  196. صفوان وكرب والإجازة في الحج
  197. ما كانت عليه عدوان من إفاضة المزدلفة
  198. شعر ذي الإصبع في إفاضتهم بالناس
  199. أبو سيارة وإفاضته بالناس
  200. أمر عامر بن ظرب بن عمرو بن عياذ بن يشكر بن عدوان
  201. قضاؤه في خنثى ومشورة جاريته سخيلة
  202. غلب قصي بن كلاب على أمر مكة وجمعه أمر قريش ومعونة قضاعة له
  203. هزيمة صوفة
  204. محاربة قصي لخزاعة وبنى بكر وتحكيم يعمر بن عوف
  205. سبب تسمية يعمر بالشداخ
  206. قصي أميرا على مكة وسبب تسميته مجمعا
  207. شعر رزاح في نصرته قصيا ورد قصي عليه
  208. ما كان بين رزاح وبين نهد وحوتكة، وشعر قصي في ذلك
  209. ما آثر به قصي عبد الدار
  210. الرفادة
  211. ذكر ما جرى من اختلاف قريش بعد قصي وحلف المطيبين
  212. الخلاف بين بنى عبد الدار وبنى أعمامهم
  213. من ناصروا بنى عبد الدار، ومن ناصروا بنى أعمامهم
  214. من دخلوا في حلف المطيبين
  215. من دخلوا في حلف الأحلاف
  216. توزيع القبائل في الحرب
  217. ما تصالح القوم عليه
  218. حلف الفضول
  219. سبب تسميته كذلك
  220. حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول
  221. نازع الحسين الوليد في حق، وهدد بالدعوة إلى حلف الفضول
  222. سأل عبد الملك محمد بن جبير عن عبد شمس وبنى نوفل ودخولهما في حلف الفضول، فأخبره بخروجهما منه
  223. ولاية هاشم الرفادة والسقاية وما كان يصنع إذا قدم الحاج
  224. شيء من أعمال هاشم
  225. ولاية المطلب الرفادة والسقاية
  226. زواج هاشم
  227. ميلاد عبد المطلب وسبب تسميته كذلك
  228. موت المطلب وما قيل في رثائه من الشعر
  229. ولاية عبد المطلب السقاية والرفادة
  230. ذكر حفر زمزم وما جرى من الخلف فيها
  231. الرؤيا التي أريها عبد المطلب في حفر زمزم
  232. عبد المطلب وابنه الحارث وما كان بينهما وبين قريش عند حفرهما زمزم
  233. ذكر بئار قبائل قريش بمكة
  234. الطوى ومن حفرها
  235. بذر ومن حفرها
  236. سجلة ومن حفرها
  237. الحفر ومن حفرها
  238. سقية ومن حفرها
  239. أم أحراد ومن حفرها
  240. السنبلة ومن حفرها
  241. الغمر ومن حفرها
  242. رم وخم والحفر وأصحابها
  243. فضل زمزم وما قيل فيها من شعر
  244. ذكر نذر عبد المطلب ذبح ولده
  245. الضرب بالقداح عند العرب
  246. عبد المطلب وأولاده بين يدي صاحب القداح
  247. خروج القدح على عبد الله وشروع أبيه في ذبحه، ومنع قريش له
  248. عرافة الحجاز وما أشارت به أم عبد المطلب
  249. نجاة عبد الله من الذبح
  250. ذكر المرأة المتعرضة لنكاح عبد الله بن عبد المطلب
  251. رفض عبد الله طلب المرأة التي عرضت نفسها عليه
  252. زواج عبد الله من آمنة بنت وهب
  253. أمهات آمنة بنت وهب
  254. ما جرى بين عبد الله والمرأة المتعرضة له بعد بنائه بآمنة
  255. ذكر ما قيل لآمنة عند حملها برسول الله صلى الله عليه وسلم
  256. موت عبد الله

غَلَبُ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ عَلَى أَمْرِ مَكَّةَ وَجَمْعُهُ أَمْرَ قُرَيْشٍ وَمَعُونَةُ قُضَاعَةَ لَهُ (هَزِيمَةُ صُوفَةَ) : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ فَعَلَتْ صُوفَةُ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ، وَقَدْ عَرَفَتْ ذَلِكَ لَهَا الْعَرَبُ، وَهُوَ دِينٌ فِي أَنْفُسِهِمْ فِي عَهْدِ جُرْهُمٍ وَخُزَاعَةَ وَوِلَايَتِهِمْ. فَأَتَاهُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَقُضَاعَةَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، فَقَالَ: لَنَحْنُ أَوْلَى بِهَذَا مِنْكُمْ، فَقَاتِلُوهُ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْهَزَمَتْ صُوفَةُ، وَغَلَبَهُمْ قُصَيٌّ عَلَى مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ. (مُحَارَبَةُ قُصَيٍّ لِخُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ وَتَحْكِيمُ يَعْمُرَ بْنِ عَوْفٍ) : وَانْحَازَتْ عِنْدَ ذَلِكَ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ عَنْ قُصَيٍّ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ سَيَمْنَعُهُمْ كَمَا مَنَعَ صُوفَةَ، وَأَنَّهُ سَيَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَمْرِ مَكَّةَ. فَلَمَّا انْحَازُوا عَنْهُ بَادَاهُمْ [2]

حواشي المحقق · صفحة 123

[1] أَي اجْعَلْهُ تَابعا لَهُ، وَهَذَا من الِاسْتِدْلَال بالأمارات، وَله نَظَائِر كَثِيرَة فِي الشَّرِيعَة. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ 12: 18. لِأَن الْقَمِيص المدمى لم يكن فِيهِ خرق، وَلَا أثر لأنياب الذِّئْب. [2] باداهم: كاشفهم.

وَأَجْمَعَ لِحَرْبِهِمْ (وَثَبَتَ مَعَهُ أَخُوهُ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ قُضَاعَةَ) [1] . وَخَرَجَتْ لَهُ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ فَالْتَقَوْا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا (بِالْأَبْطَحِ) [2] ، حَتَّى كَثُرَتْ الْقَتْلَى فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ إنَّهُمْ تَدَاعَوْا إلَى الصُّلْحِ وَإِلَى أَنْ يُحَكِّمُوا بَيْنَهُمْ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ، فَحَكَّمُوا يَعْمُرَ بْنَ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَامِرِ [3] بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، فَقَضَى بَيْنَهُمْ بِأَنَّ قُصَيًّا أَوْلَى بِالْكَعْبَةِ وَأَمْرِ مَكَّةَ مِنْ خُزَاعَةَ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ أَصَابَهُ قُصَيٌّ مِنْ خُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ، مَوْضُوعٌ يَشْدَخُهُ [4] تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَأَنَّ مَا أَصَابَتْ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَقُضَاعَةَ فَفِيهِ الدِّيَةُ مُؤَدَّاةٌ، وَأَنْ يُخَلَّى بَيْنَ قُصَيٍّ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ وَمَكَّةَ. (سَبَبُ تَسْمِيَةِ يَعْمُرَ بِالشَّدَّاخِ) : فَسُمِّيَ يَعْمُرُ [5] بْنُ عَوْفٍ يَوْمَئِذٍ: الشَّدَّاخَ، لِمَا شَدَخَ مِنْ الدِّمَاءِ وَوَضَعَ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الشُّدَاخُ. (قُصَيٌّ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ وَسَبَبُ تَسْمِيَتِهِ مُجَمِّعًا) : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلِيَ قُصَيٌّ الْبَيْتَ وَأَمْرَ مَكَّةَ، وَجَمَعَ قَوْمَهُ مِنْ مَنَازِلِهِمْ إلَى مَكَّةَ، وَتَمَلَّكَ عَلَى قَوْمِهِ وَأَهْلِ مَكَّةَ فَمَلَّكُوهُ. إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ لِلْعَرَبِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَرَاهُ دِينًا فِي نَفْسِهِ لَا يَنْبَغِي تَغْيِيرُهُ. فَأَقَرَّ آلَ صَفْوَانَ وَعَدْوَانَ وَالنِّسْأَةَ وَمُرَّةَ بْنَ عَوْفٍ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ فَهَدَمَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ كُلَّهُ. فَكَانَ قُصَيٌّ أَوَّلَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَصَابَ مُلْكًا أَطَاعَ لَهُ بِهِ قَوْمُهُ، فَكَانَتْ

حواشي المحقق · صفحة 124

[1] زِيَادَة عَن الطَّبَرِيّ. [2] زِيَادَة عَن أ. [3] فِي الطَّبَرِيّ: « ... بن كَعْب بن لَيْث» . [4] يشدخه: يكسرهُ، وَيُرِيد أَنه أبطل تِلْكَ الدِّمَاء، وَلم يَجْعَل لَهَا حظا، وَلذَلِك قيل: تَحت قَدَمَيْهِ. [5] يعمر الشداخ: هُوَ جد بنى دأب الَّذين أَخذ عَنْهُم كثير من علم الْأَخْبَار والأنساب. وهم عِيسَى ابْن يزِيد بن دأب، وَأَبوهُ يزِيد، وَحُذَيْفَة بن دأب، ودأب: هُوَ ابْن كرز بن أَحْمَر، من بنى يعمر ابْن عَوْف.

إلَيْهِ الْحِجَابَةُ [1] ، وَالسِّقَايَةُ [2] ، وَالرِّفَادَةُ [3] ، وَالنَّدْوَةُ [4] ، وَاللِّوَاءُ [5] ، فَحَازَ شَرَفَ مَكَّةَ كُلَّهُ. وَقَطَعَ مَكَّةَ رِبَاعًا بَيْنَ قَوْمِهِ، فَأَنْزَلَ كُلَّ قَوْمٍ مِنْ قُرَيْشٍ مَنَازِلَهُمْ مِنْ مَكَّةَ الَّتِي أَصْبَحُوا عَلَيْهَا، وَيَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّ قُرَيْشًا هَابُوا قَطْعَ شَجَرِ الْحَرَمِ فِي مَنَازِلِهِمْ فَقَطَعَهَا قُصَيٌّ بِيَدِهِ وَأَعْوَانِهِ [6] ، فَسَمَّتْهُ قُرَيْشٌ مُجَمِّعًا لِمَا جَمَعَ مِنْ أَمْرِهَا، وَتَيَمَّنَتْ بِأَمْرِهِ، فَمَا تُنْكَحُ امْرَأَةٌ، وَلَا يَتَزَوَّجُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَا يَتَشَاوَرُونَ فِي أَمْرٍ نَزَلَ بِهِمْ، وَلَا يَعْقِدُونَ لِوَاءً لِحَرْبِ قَوْمٍ مِنْ غَيْرِهِمْ إلَّا فِي دَارِهِ، يَعْقِدُهُ لَهُمْ بَعْضُ وَلَدِهِ، وَمَا تَدَّرِعُ [7] جَارِيَةٌ إذَا بَلَغَتْ أَنْ تَدَّرِعَ مِنْ قُرَيْشٍ إلَّا فِي دَارِهِ، يَشُقُّ عَلَيْهَا فِيهَا دِرْعَهَا ثُمَّ تَدَّرِعُهُ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ بِهَا إلَى أَهْلِهَا. فَكَانَ أَمْرُهُ فِي قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ فِي حَيَاتِهِ، وَمِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، كَالدِّينِ الْمُتَّبِعِ لَا يُعْمَلُ بِغَيْرِهِ. وَاِتَّخَذَ لِنَفْسِهِ دَارَ النَّدْوَةِ وَجَعَلَ بَابَهَا إلَى مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، فَفِيهَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقْضِي أُمُورَهَا.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الشَّاعِرُ:

حواشي المحقق · صفحة 125

[1] الحجابة: أَن تكون مَفَاتِيح الْبَيْت عِنْده فَلَا يدْخلهُ أحد إِلَّا بِإِذْنِهِ. [2] السِّقَايَة: يعْنى سِقَايَة زَمْزَم، وَكَانُوا يصنعون بهَا شرابًا فِي الْمَوْسِم للْحَاج الّذي يوافي مَكَّة ويمزجونه تَارَة بِعَسَل، وَتارَة بِلَبن، وَتارَة بنبيذ، يتطوعون بذلك من عِنْد أنفسهم. [3] الرفادة: طَعَام كَانَت قُرَيْش تجمعه كل عَام لأهل الْمَوْسِم، وَيَقُولُونَ: هم أضياف الله تَعَالَى. وسيعرض لَهَا الْمُؤلف بالْكلَام بعد قَلِيل. [4] الندوة: الِاجْتِمَاع للمشورة والرأى، وَكَانَت الدَّار الَّتِي اتخذها قصي لذَلِك يُقَال لَهَا دَار الندوة، وَهَذِه الدَّار صَارَت بعد بنى عبد الدَّار إِلَى حَكِيم بن حزَام بن خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي، فَبَاعَهَا فِي الْإِسْلَام بِمِائَة ألف دِرْهَم. وَذَلِكَ فِي زمن مُعَاوِيَة، فلامه مُعَاوِيَة فِي ذَلِك. وَقَالَ: أبعت مكرمَة آبَائِك وشرفهم؟ فَقَالَ حَكِيم: ذهبت المكارم إِلَّا التَّقْوَى، وَالله لقد اشْتَرَيْتهَا فِي الْجَاهِلِيَّة بزق خمر، وَقد بعتها بِمِائَة ألف دِرْهَم، وأشهدكم أَن ثمنهَا فِي سَبِيل الله، فأينا المغبون؟ [5] اللِّوَاء: يعْنى فِي الْحَرْب، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يحملهُ عِنْدهم إِلَّا قوم مخصوصون. [6] الْمَعْرُوف وَالأَصَح أَن قُريْشًا حِين أَرَادوا الْبُنيان قَالُوا لقصي: كَيفَ نصْنَع فِي شجر الْحرم؟ فَحَذَّرَهُمْ قطعهَا وخوفهم الْعقُوبَة فِي ذَلِك، فَكَانَ أحدهم يحوف بالبنيان حول الشَّجَرَة حَتَّى تكون فِي منزله، وَإِن أول من ترخص فِي قطع شجر الْحرم للبنيان عبد الله بن الزبير حِين ابتنى دورا بقيقعان، وَلكنه جعل دِيَة كل شَجَرَة بقرة، وَكَذَلِكَ يرْوى عَن عمر رضى الله عَنهُ أَنه قطع دوحة كَانَت فِي دَار أَسد بن عبد الْعُزَّى وَكَانَت تنَال أطرافها ثِيَاب الطائفين بِالْكَعْبَةِ، وَذَلِكَ قبل أَن يُوسع الْمَسْجِد، فقطعها عمر رضى الله عَنهُ، ووداها بقرة. [7] ادرعت الْجَارِيَة: لبست الدرْع.

قُصَيٌّ لَعَمْرِي كَانَ يُدَعَّى مُجَمِّعًا ... بِهِ جَمَعَ اللَّهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرِ

حواشي المحقق · صفحة 126

[1] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ [2] ابْن خَبَّابٍ صَاحِبَ الْمَقْصُورَةِ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ، حَدِيثَ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، وَمَا جَمَعَ مِنْ أَمْرِ قَوْمِهِ، وَإِخْرَاجِهِ خُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ مِنْ مَكَّةَ، وَوِلَايَتِهِ الْبَيْتَ وَأَمْرَ مَكَّةَ، فَلَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ. (شِعْرُ رِزَاحٍ فِي نُصْرَتِهِ قُصَيًّا وَرَدُّ قُصَيٍّ عَلَيْهِ) : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا فَرَغَ قُصَيٌّ مِنْ حَرْبِهِ، انْصَرَفَ أَخُوهُ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ إلَى بِلَادِهِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَقَالَ رِزَاحٌ فِي إجَابَتِهِ قُصَيًّا: لَمَّا أَتَى مِنْ قُصَيٍّ رَسُولُ ... فَقَالَ الرَّسُولُ أَجِيبُوا الْخَلِيلَا نَهَضْنَا إلَيْهِ نَقُودُ الْجِيَادَ ... وَنَطْرَحُ عَنَّا الْمَلُولَ الثَّقِيلَا نَسِيرُ بِهَا اللَّيْلَ حَتَّى الصَّبَاحِ ... وَنَكْمِي [3] النَّهَارَ لِئَلَّا نَزُولَا فَهُنَّ سِرَاعٌ كَوِرْدِ [4] الْقَطَا ... يُجِبْنَ بِنَا مِنْ قُصَيٍّ رَسُولَا جَمَعْنَا مِنْ السِّرِّ مِنْ أَشْمَذَيْنِ [5] ... وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ جَمَعْنَا قَبِيلَا فَيَا لَكَ حُلْبَةَ مَا لَيْلَةٌ ... تَزِيدُ على الْألف سَببا رَسِيلَا [6] فَلَمَّا مَرَرْنَ عَلَى عَسْجَدٍ [7] ... وَأَسْهَلْنَ مِنْ مُسْتَنَاخٍ سَبِيلَا [8] [1] وَيذكر أَن هَذَا الشّعْر لحذافة بن جمح. [2] هُوَ السَّائِب بن خباب الْمدنِي أَبُو مُسلم صَاحب الْمَقْصُورَة، وَيُقَال هُوَ مولى فَاطِمَة بنت عتبَة، وَلم نجد فِيمَن رووا عَنهُ عبد الْملك بن رَاشد، كَمَا لم نجده فِي شُيُوخ ابْن إِسْحَاق الَّذين روى عَنْهُم. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب وتراجم رجال) . [3] نكمى: نكمن ونستتر. [4] الْورْد: الْوَارِدَة. [5] أشمذان (بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسر النُّون، على لفظ التَّثْنِيَة) : قبيلتان، وَيُقَال جبلان بَين الْمَدِينَة وخيبر تنزلهما جُهَيْنَة وَأَشْجَع. [6] الحلبة: جمَاعَة الْخَيل. والسيب: الْمَشْي السَّرِيع فِي رفق كَمَا تنساب الْحَيَّة. والرسيل: الّذي فِيهِ تمهل. [7] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عسجر» وَكِلَاهُمَا اسْم على مَوضِع بِعَيْنِه. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) . [8] أسهل: حل الْموضع السهل.

وَجَاوَزْنَ بِالرُّكْنِ مِنْ وَرِقَانٍ [1] ... وَجَاوَزْنَ بِالْعَرْجِ [2] حَيَّا حُلُولَا

مَرَرْنَ عَلَى الْحِلِّ [3] مَا ذُقْنَهُ ... وَعَالَجْنَ مِنْ مَرٍّ لَيْلًا طَوِيلَا

نُدْنِي مِنْ الْعُوذِ أَفْلَاءَهَا [4] ... إرَادَةَ أَنْ يَسْتَرِقْنَ الصَّهِيلَا

فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إلَى مَكَّةَ ... أَبَحْنَا الرِّجَالَ قَبِيلًا قَبِيلًا

نُعَاوِرُهُمْ ثُمَّ حَدَّ السُّيُوفِ ... وَفِي كُلِّ أَوْبٍ خَلَسْنَا الْعَقُولَا [5]

نخبّزهم بصلاب النّسور ... خَبْزَ الْقَوِيِّ الْعَزِيزَ الذَّلِيلَا [6]

قَتَلْنَا خُزَاعَةَ فِي دَارِهَا ... وَبَكْرًا قَتَلْنَا وَجِيلًا فَجِيلَا

حواشي المحقق · صفحة 127

[1] ورقان (بِالْفَتْح ثمَّ الْكسر، ويروى بِسُكُون الرَّاء) : جبل أسود بَين العرج والرويثة، على يَمِين المصعد من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ لياقوت) . [2] العرج (بِفَتْح أَوله وَسُكُون ثَانِيه) : وَاد من نواحي الطَّائِف، وَإِلَيْهِ ينْسب العرجى الشَّاعِر. (رَاجع مُعْجم مَا استعجم، ومعجم الْبلدَانِ) . [3] كَذَا فِي إِحْدَى رِوَايَات الرَّوْض الْأنف، وَشرح السِّيرَة. والحل (بِالْكَسْرِ) : جمع حلَّة، وَهِي شَجَرَة شاكة، أَصْغَر من القتاد، يسميها أهل الْبَادِيَة الشرق. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هِيَ شَجَرَة إِذا أكلتها الْإِبِل سهل خُرُوج أَلْبَانهَا، وَقيل هِيَ شَجَرَة تنْبت بالحجاز تظهر من الأَرْض غبراء ذَات شوك تأكلها الدَّوَابّ. وَهُوَ سريع النَّبَات ينْبت بالجدد والآكام والحصباء، وَلَا ينْبت فِي سهل وَلَا جبل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْحلَّة: شَجَرَة شاكة، تنْبت فِي غلظ الأَرْض، أَصْغَر من العوسجة، وَرقهَا صغَار وَلَا ثَمَر لَهَا، وَهِي مرعى صدق. وَفِي رِوَايَة ثَانِيَة: «الْحِيَل» . وَهُوَ المَاء المستنقع فِي بطن وَاد. وَفِي رِوَايَة ثَالِثَة، وَهِي الرِّوَايَة الَّتِي أَجمعت عَلَيْهَا الْأُصُول: «الْحلِيّ» . وَقد ذهب السهيليّ فِي تَفْسِيره إِلَى أَنه نبت، وَهُوَ ثَمَر القلقلان. وغلطه فِي ذَلِك أَبُو ذَر فِي شرح السِّيرَة، وَقَالَ: « ... وَهَذَا غلط، لِأَن اسْم النَّبَات الْحلِيّ، بتَشْديد الْيَاء وبكسر اللَّام» . وَهَذَا مَا عَلَيْهِ معاجم اللُّغَة، وَذهب أَبُو ذَر إِلَى أَن «الْحلِيّ» اسْم مَوضِع، وَلم يتَعَرَّض للْكَلَام عَنهُ بِشَيْء. والّذي فِي المعاجم الجغرافية: أَن حلى: مَوضِع بِالْيمن على سَاحل الْبَحْر بَينه وَبَين السرين يَوْم وَاحِد، وَبَينه وَبَين مَكَّة ثَمَانِيَة أَيَّام، وَقيل هِيَ لُغَة فِي حلية، وَهِي من أَرض الْيمن، وَقيل بنواحي الطَّائِف. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، وَشرح السِّيرَة، ولسان الْعَرَب، ومعجم الْبلدَانِ) . [4] العوذ: جمع عَائِذ، وَهِي النَّاقة أَو الْفرس الَّتِي لَهَا أَوْلَاد. والأفلاء: جمع فَلَو، وَهُوَ الْمهْر الْعَظِيم أَو الْبَالِغ سنة. [5] نعاورهم: نداولهم مرّة بعد مرّة. والأوب: الرُّجُوع. [6] نخبزهم: نسوقهم سوقا شَدِيدا. وصلاب النسور: الْخَيل. والنسور: جمع نسر، وَهُوَ اللَّحْم الْيَابِس الّذي فِي بَاطِن الْحَافِر.

نَفَيْنَاهُمْ مِنْ بِلَادِ الْمَلِيكِ ... كَمَا لَا يَحِلُّونَ أَرْضًا سُهُولَا

فَأَصْبَحَ سَبْيُهُمْ فِي الْحَدِيدِ ... وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ شَفَيْنَا الْغَلِيلَا

وَقَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سَعْدِ [1] هُذَيْمٍ الْقُضَاعِيُّ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ قُصَيٍّ حِينَ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ:

جَلَبْنَا الْخَيْلَ مُضْمَرَةً تَغَالِي [2] ... مِنْ الْأَعْرَافِ [3] أَعْرَافَ الْجِنَابِ [4]

إلَى غَوْرَى تِهَامَةَ فَالْتَقَيْنَا ... مِنْ الْفَيْفَاءِ فِي قَاعٍ يَبَابِ [5]

فَأَمَّا صُوفَةُ الْخُنْثَى فَخَلَّوْا ... مَنَازِلَهُمْ مُحَاذَرَةَ الضِّرَابِ

وَقَامَ بَنُو عَلِيٍّ إذْ رَأَوْنَا ... إلَى الْأَسْيَافِ كَالْإِبِلِ الطِّرَابِ

[6] وَقَالَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ:

أَنَا ابْنُ الْعَاصِمِينَ [7] بَنِي لُؤَيٍّ ... بِمَكَّةَ مَنْزِلِي وَبِهَا رَبِيتُ

إلَى الْبَطْحَاءِ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ ... وَمَرْوَتُهَا رَضِيتُ بِهَا رَضِيتُ

فَلَسْتُ لِغَالِبِ إنْ لَمْ تَأَثَّلْ [8] ... بِهَا أَوْلَادُ قَيْذَرَ وَالنَّبِيتُ [9]

رِزَاحٌ نَاضِرِي وَبِهِ أُسَامِي ... فَلَسْتُ أَخَافُ ضَيْمًا مَا حَيِيتُ

حواشي المحقق · صفحة 128

[1] كَذَا فِي أوالاشتقاق والمعارف. وَكَانَ هذيم عبدا حَبَشِيًّا فنسب إِلَيْهِ سعد، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «سعد بن هذيم» . وَهُوَ تَحْرِيف. [2] تغالى: ترْتَفع فِي سَيرهَا، من المغالاة، وَهِي الِارْتفَاع والتزيد فِي السّير. [3] الْأَعْرَاف: جمع عرف، وَهُوَ الرمل الْمُرْتَفع المستطيل. [4] الجناب (بِالْكَسْرِ) : مَوضِع بعراض خَيْبَر وَسلَاح ووادي الْقرى، وَقيل: هُوَ من منَازِل بنى مَازِن، وَقيل: من ديار بنى فَزَارَة بَين الْمَدِينَة وفهر. وَقَالَ السهيليّ: هُوَ مَوضِع من بِلَاد قضاعة. وَهُنَاكَ جناب آخر، إِلَّا أَنه بِفَتْح الْجِيم، وَهُوَ مَوضِع فِي أَرض كلب فِي السماوة بَين الْعرَاق وَالشَّام. وَالظَّاهِر أَن الأول هُوَ المُرَاد هُنَا. [5] الْغَوْر: المنخفض. والفيفاء: الصَّحرَاء. والقاع: المنخفض من الأَرْض. واليباب: القفر. [6] كَذَا فِي الأَصْل. والطراب: الْإِبِل الَّتِي حنت إِلَى مواطنها واشتاقت. ويروى: «الظراب» . (بالظاء الْمُعْجَمَة) : جمع ظرب، وَهُوَ الجبيل الصَّغِير، شبه الْإِبِل بِهِ. [7] يُرِيد أَنهم يعصمون النَّاس ويمنعونهم، لكَوْنهم أهل الْبَيْت وَالْحرم. [8] يُقَال: تأثل فلَان بِالْمَكَانِ: إِذا أَقَامَ بِهِ وَاسْتقر وَلم يبرح. [9] أَوْلَاد قيذر والنبيت: يعْنى أَوْلَاد إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام.

(مَا كَانَ بَيْنَ رِزَاحٍ وَبَيْنَ نَهْدٍ وَحَوْتَكَةَ، وَشِعْرُ قُصَيٍّ فِي ذَلِكَ ) : فَلَمَّا اسْتَقَرَّ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ فِي بِلَادِهِ، نشره الله ونشرحنا، فَهُمَا قَبِيلَا عُذْرَةَ [1] الْيَوْمِ. وَقَدْ كَانَ بَيْنَ رِزَاحِ بْنِ رَبِيعَةَ، حِينَ قَدِمَ بِلَادَهُ، وَبَيْنَ نَهْدِ بْنِ زَيْدِ وَحَوْتَكَةَ بْنِ أَسْلُمَ [2] ، وَهُمَا بَطْنَانِ مِنْ قُضَاعَةَ، شَيْءٌ، فَأَخَافَهُمْ حَتَّى لَحِقُوا بِالْيَمَنِ وَأَجْلَوْا مِنْ بِلَادِ قُضَاعَةَ، فَهُمْ الْيَوْمَ بِالْيَمَنِ. فَقَالَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ، وَكَانَ يُحِبُّ قُضَاعَةَ وَنَمَاءَهَا وَاجْتِمَاعَهَا بِبِلَادِهَا، لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِزَاحٍ مِنْ الرَّحِمِ، وَلِبَلَائِهِمْ [3] عِنْدَهُ إذْ أَجَابُوهُ إذْ دَعَاهُمْ إلَى نُصْرَتِهِ، وَكَرِهَ مَا صَنَعَ بِهِمْ رِزَاحٌ: أَلَا مِنْ مُبْلِغٍ عَنِّي رِزَاحَا ... فَإِنِّي قَدْ لَحَيْتُكَ [4] فِي اثْنَتَيْنِ لَحَيْتُكَ فِي بَنِي نَهْدِ بْنِ زَيْدِ ... كَمَا فَرَّقْتَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنِي وَحَوْتَكَةُ بْنُ أَسْلُمَ إنَّ قَوْمًا ... عَنَوْهُمْ بِالْمَسَاءَةِ قَدْ عَنَوْنِي قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى هَذِهِ الْأَبْيَاتُ لِزُهَيْرِ بْنِ جَنَابٍ الْكَلْبِيِّ. (مَا آثَرَ بِهِ قُصَيٌّ عَبْدَ الدَّارِ) : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا كَبِرَ قُصَيٌّ وَرَقَّ عَظْمُهُ، وَكَانَ عَبْدُ الدَّارِ بِكْرَهُ، وَكَانَ عَبْدُ مَنَافٍ قَدْ شَرُفَ فِي زَمَانِ أَبِيهِ وَذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، وَعَبْدُ الْعُزَّى وَعَبْدٌ. قَالَ قُصَيٌّ لِعَبْدِ الدَّارِ: (أَمَا وَاَللَّهِ يَا بُنَيَّ) [5] لِأُلْحِقَنَّكَ بِالْقَوْمِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ شَرُفُوا عَلَيْكَ: لَا يَدْخُلُ رَجُلٌ مِنْهُمْ الْكَعْبَةَ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ تَفْتَحُهَا لَهُ، وَلَا يَعْقِدُ لِقُرَيْشٍ لِوَاءً لِحَرْبِهَا إلَّا أَنْتَ بِيَدِكَ، وَلَا يَشْرَبُ أَحَدٌ بِمَكَّةَ إلَّا مِنْ سِقَايَتِكَ، وَلَا يَأْكُلُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَوْسِمِ طَعَامًا إلَّا مِنْ طَعَامِكَ، وَلَا تَقْطَعُ قُرَيْشٌ

حواشي المحقق · صفحة 129

[1] فِي قضاعة عذرتان، عذرة بن رفيدة، وهم من بنى كلب بن وبرة، وعذرة بن سعد بن سود بن أسلم (بِضَم اللَّام) بن الحاف بن قضاعة. وَأسلم هَذَا من ولد حن بن ربيعَة أخى رزاح بن ربيعَة (عَن الرَّوْض الْأنف) . [2] هُوَ بِضَم اللَّام، وَلَيْسَ فِي الْعَرَب أسلم بِضَم اللَّام إِلَّا ثَلَاثَة اثْنَان فِي قضاعة، وهما أسلم بن الحاف هَذَا، وَأسلم بن تدول بن تيم اللات بن رفيدة بن ثَوْر بن كلب، وَالثَّالِث فِي عك، وَهُوَ أسلم بن القياتة بن الشَّاهِد بن عك. (رَاجع مؤتلف الْقَبَائِل ومختلفها لِابْنِ حبيب) . [3] بلاؤهم: نعمتهم. [4] لحاه: لامه. [5] زِيَادَة عَن أ. 9- سيرة ابْن هِشَام- 2

أَمْرًا مِنْ أُمُورِهَا إلَّا فِي دَارِكَ. فَأَعْطَاهُ دَارَهُ دَارَ النَّدْوَةِ، الَّتِي لَا تَقْضِي قُرَيْشٌ أَمْرًا مِنْ أُمُورِهَا إلَّا فِيهَا، وَأَعْطَاهُ الْحِجَابَةَ واللواء والسقاية والرّفاة. (الرفادة) : وَكَانَتْ الرِّفَادَةُ خَرْجًا تُخْرِجُهُ قُرَيْشٌ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ مِنْ أَمْوَالِهَا إلَى قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، فَيَصْنَعُ بِهِ طَعَامًا لِلْحَاجِّ، فَيَأْكُلُهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَعَةٌ وَلَا زَادٌ. وَذَلِكَ أَنَّ قُصَيًّا فَرَضَهُ عَلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ أَمَرَهُمْ بِهِ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّكُمْ جِيرَانُ اللَّهِ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَأَهْلُ الْحَرَمِ، وَإِنَّ الْحَاجَّ ضَيْفُ اللَّهِ وَزُوَّارُ بَيْتِهِ، وَهُمْ أَحَقُّ الضَّيْفِ بِالْكَرَامَةِ، فَاجْعَلُوا لَهُمْ طَعَامًا وَشَرَابًا أَيَّامَ الْحَجِّ، حَتَّى يَصْدُرُوا عَنْكُمْ فَفَعَلُوا. فَكَانُوا يُخْرِجُونَ لِذَلِكَ كُلَّ عَامٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ خَرْجًا فَيَدْفَعُونَهُ إلَيْهِ، فَيَصْنَعُهُ طَعَامًا لِلنَّاسِ أَيَّامَ مِنًى. فَجَرَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى قَوْمِهِ حَتَّى قَامَ الْإِسْلَامُ، ثُمَّ جَرَى فِي الْإِسْلَامِ إلَى يَوْمِكَ هَذَا. فَهُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يَصْنَعُهُ السُّلْطَانُ كُلَّ عَامٍ بِمَنَى لِلنَّاسِ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْحَجُّ» . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي بِهَذَا مِنْ أَمْرِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، وَمَا قَالَ لِعَبْدِ الدَّارِ فِيمَا دُفِعَ إلَيْهِ مِمَّا كَانَ بِيَدِهِ، أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ لِرَجُلِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، يُقَالُ لَهُ: نُبَيْهُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ. قَالَ الْحَسَنُ: فَجَعَلَ إلَيْهِ قُصَيٌّ كُلَّ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ أَمْرِ قَوْمِهِ، وَكَانَ قُصَيٌّ لَا يُخَالَفُ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ صَنَعَهُ.