(شِعْرُ حَسَّانٍ فِي هِجَاءِ هُذَيْلٍ لِقَتْلِهِمْ خُبَيْبًا) : وَقَالَ حَسَّانٌ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا [2] فِيمَا صَنَعُوا بِخُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ: أَبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو بِأَنَّ أَخَاهُم ... شراه أَمر وَقد كَانَ لِلْغَدْرِ لَازِمَا [3] شَرَاهُ زُهَيْرُ بْنُ الْأَغَرِّ وَجَامِعٌ ... وَكَانَا جَمِيعًا يَرْكَبَانِ الْمَحَارِمَا أَجَرْتُمْ فَلَمَّا أَنْ أَجَرْتُمْ غَدَرْتُمْ ... وَكُنْتُمْ بِأَكْنَافِ الرَّجِيعِ لَهَاذِمَا [4] فَلَيْتَ [5] خُبَيْبًا لَمْ تَخُنْهُ أَمَانَةٌ ... وَلَيْتَ خُبَيْبًا كَانَ بِالْقَوْمِ عَالِمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زُهَيْرُ بْنُ الْأَغَرِّ وَجَامِعٌ: الْهُذَلِيَّانِ اللَّذَانِ بَاعَا خُبَيْبًا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا: إنْ سَرَّكَ الْغَدْرُ صِرْفًا لَا مِزَاجَ لَهُ ... فَأْتِ الرَّجِيعَ فَسَلْ عَنْ دَارِ لِحْيَانَ [6]
حواشي المحقق · صفحة 179
[1] أجلبوا: اجْتَمعُوا وصاحوا. [2] هجا حسان هذيلا، لأَنهم إخْوَة القارة والمشاركون لَهُم فِي الْغدر بخبيب وَأَصْحَابه. وهذيل وَخُزَيْمَة أَبنَاء مدركة بن إلْيَاس. وعضل والقارة من بنى خُزَيْمَة. (رَاجع الرَّوْض) . [3] شراه: بَاعه، وَهُوَ من الأضداد. [4] لهاذما (بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة) : جمع لهذم، وَهُوَ الْقَاطِع من السيوف. (وبالزاي) : الضُّعَفَاء والفقراء. وأصل اللهزمتين: مضغتان تَكُونَانِ فِي الحنك، واحدتهما: لهزمة، وَالْجمع: لهازم، فشبههم بهَا لحقارتها. [5] فِي م: «فَلَيْسَتْ» ، وَهُوَ تَحْرِيف. [6] لحيان (بِكَسْر اللَّام وَقيل بِفَتْحِهَا) : ابْن هُذَيْل بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
قَوْمٌ تَوَاصَوْا بِأَكْلِ الْجَارِ بَيْنَهُمْ ... فَالْكَلْبُ وَالْقِرْدُ وَالْإِنْسَانُ مِثْلَانِ [1]
لَوْ يَنْطِقُ التَّيْسُ يَوْمًا قَامَ يَخْطُبُهُمْ ... وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِيهِمْ وَذَا شَانِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ قَوْلَهُ:
لَوْ يَنْطِقُ التَّيْسُ يَوْمًا قَامَ يَخْطُبُهُمْ ... وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِيهِمْ وَذَا شَانِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا:
سَالَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ اللَّهِ فَاحِشَةً ... ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بِمَا سَالَتْ وَلَمْ تُصِبْ [2]
سَالُوا رَسُولَهُمْ مَا لَيْسَ مُعْطِيَهُمْ ... حَتَّى الْمَمَاتِ، وَكَانُوا سُبَّةَ الْعَرَبِ
وَلَنْ تَرَى لِهُذَيْلٍ دَاعِيًا أَبَدًا ... يَدْعُو لِمَكْرُمَةٍ عَنْ مَنْزِلِ الْحَرْبِ [3]
لَقَدْ أَرَادُوا خِلَالَ الْفُحْشِ وَيْحَهُمْ ... وَأَنْ يُحِلُّوا حَرَامًا كَانَ فِي الْكُتُبِ [4]
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا:
لَعَمْرِي لَقَدْ شَانَتْ هُذَيْلَ بْنَ مُدْرِكٍ ... أَحَادِيثُ كَانَتْ فِي خُبَيْبٍ وَعَاصِمِ [5]
أَحَادِيثُ لِحْيَانٍ صَلَوْا بِقَبِيحِهَا [6] ... وَلِحْيَانُ جَرَّامُونَ شَرَّ الْجَرَائِمِ [7]
حواشي المحقق · صفحة 180
[1] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ميلان» . [2] قَالَ أَبُو ذَر «سَالَتْ. أَرَادَ: سَأَلت، ثمَّ خفف الْهمزَة، وَقد يُقَال: سَالَ يسْأَل (بِغَيْر همز) وَهِي لُغَة. وَيُشِير حسان إِلَى مَا سَأَلت هُذَيْل رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أَرَادوا الْإِسْلَام أَن يحل لَهُم الزِّنَا، فَهُوَ يعيرهم ذَلِك» . وَقَالَ السهيليّ: «وَقَوله سَالَتْ هُذَيْل، لَيْسَ على تسهيل الْهمزَة فِي سَأَلت، وَلكنهَا لُغَة، بِدَلِيل قَوْلهم تسايل القَوْل، وَلَو كَانَ تسهيلا لكَانَتْ الْهمزَة بَين بَين وَلم يستقم وزن الشّعْر بهَا لِأَنَّهَا كالمتحركة، وَقد تقلب ألفا سَاكِنة كَمَا قَالُوا المنساة، وَلكنه شَيْء لَا يُقَاس عَلَيْهِ، وَإِذا كَانَت سَالَ لُغَة فِي سَأَلَ فَيلْزم أَن يكون الْمُضَارع يسيل، وَلَكِن قد حكى يُونُس: سلت تسْأَل، مثل خفت تخَاف، وَهُوَ عِنْده من ذَوَات الْوَاو. وَقَالَ الزّجاج: الرّجلَانِ يتسايلان. وَقَالَ النّحاس والمبرد: يتساولان، وَهُوَ مثل مَا حكى يُونُس» . [3] الْحَرْب: السَّلب، يُقَال: حَرْب الرجل، إِذا سلب (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول فيهمَا) . [4] الْخلال: الْخِصَال. [5] شانت: عابت. [6] كَذَا فِي أ. وصلوا بقبيحها: أَي أَصَابَهُم شَرها. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «صلوب قبيحها» وَهُوَ تَحْرِيف. [7] جرامون: كاسبون.
أُنَاسٌ هُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ فِي صَمِيمِهِمْ ... بِمَنْزِلَةِ الزَّمْعَانِ دُبْرَ الْقَوَادِمِ [1]
هُمْ غَدَرُوا يَوْمَ الرَّجِيعِ وَأَسْلَمَتْ ... أَمَانَتُهُمْ ذَا عِفَّةٍ وَمَكَارِمِ
رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ غَدْرًا وَلَمْ تَكُنْ ... هُذَيْلٌ تَوَقَّى مُنْكَرَاتِ الْمَحَارِمِ
فَسَوْفَ يَرَوْنَ النَّصْرَ يَوْمًا عَلَيْهِمْ ... بِقَتْلِ الَّذِي تَحْمِيهِ دُونَ الْحَرَائِمِ [2]
أَبَابِيلُ دَبْرٍ شُمَّسٍ دُونَ لَحْمِهِ ... حَمَتْ لَحْمَ شَهَّادٍ عِظَامَ الْمَلَاحِمِ [3]
لَعَلَّ هُذَيْلًا أَنْ يَرَوْا بِمَصَابِّهِ ... مَصَارِعَ قَتْلَى أَوْ مَقَامًا لِمَأْتَمِ [4]
وَنُوقِعَ فِيهِمْ [5] وَقْعَةً ذَاتَ صَوْلَةٍ [6] ... يُوَافِي بِهَا الرُّكْبَانُ أَهْلَ الْمَوَاسِمِ
بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ إنَّ رَسُولَهُ ... رَأَى رَأْيَ ذِي حَزْمٍ بِلِحْيَانَ عَالِمِ
قُبَيِّلةٌ لَيْسَ الْوَفَاءُ يُهِمُّهُمْ ... وَإِنْ ظُلِمُوا لَمْ يَدْفَعُوا كَفَّ ظَالِمِ
إذَا النَّاسُ حَلُّوا بِالْفَضَاءِ رَأَيْتهمْ ... بِمَجْرَى مَسِيلِ الْمَاءِ بَيْنَ الْمَخَارِمِ [7]
مَحَلُّهُمْ دَارُ الْبَوَارِ وَرَأْيُهُمْ ... إذَا نَابَهُمْ أَمْرٌ كَرَأْيِ الْبَهَائِمِ [8]
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَهْجُو هُذَيْلًا:
لَحَى اللَّهُ لِحْيَانًا فَلَيْسَتْ دِمَاؤُهُمْ ... لَنَا مِنْ قَتِيلَيْ غَدْرَةٍ بِوَفَاءِ [9]
هُمُو قَتَلُوا يَوْمَ الرَّجِيعِ ابْنَ حُرَّةٍ ... أَخَا ثِقَةٍ فِي وُدِّهِ وَصَفَاءِ
فَلَوْ قُتِلُوا يَوْمَ الرَّجِيعِ بِأَسْرِهِمْ ... بِذِي الدَّبْرِ مَا كَانُوا لَهُ بِكِفَاءِ [10]
حواشي المحقق · صفحة 181
[1] صميم الْقَوْم: خالصهم فِي النّسَب. والزمعان: جمع زمع. وَهُوَ الشّعْر الّذي يكون فَوق الرسغ من الدَّابَّة وَغَيرهَا. ودبر: خلف. والقوادم (هُنَا) : الْأَيْدِي. لِأَنَّهَا تقدم الأرجل. [2] تحميه، يعْنى عَاصِم بن الأقلح الّذي حمته النَّحْل، وَدون الحرائم: أَي دون أَن يحْبسهُ أحد من الْكفَّار. [3] الأبابيل: الْجَمَاعَات، يُقَال: إِن وَاحِدهَا، إبيل. والدبر: الزنابير، وَيُقَال للنحل أَيْضا: دبر. وَالشَّمْس: المدافعة. والملاحم: جمع ملحمة، وَهِي الْحَرْب. [4] المأتم: جمَاعَة النِّسَاء يجتمعن فِي الْخَيْر وَالشَّر، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا أَنَّهُنَّ يجتمعن فِي مناحته. وَقد سهل همزَة «المأتم» لِأَن القافية هُنَا موسومة بِالْألف. [5] كَذَا فِي أَفِي سَائِر الْأُصُول: «فِيهَا» . [6] الصولة: الشدَّة. [7] المخارم: مسايل المَاء الَّتِي يجرى فِيهَا السَّيْل. [8] الْبَوَار: الْهَلَاك. [9] لحي: أَضْعَف وَبَالغ فِي أَخذهم، وَهُوَ من قَوْلهم: لحوت الْعود، إِذا قشرته. [10] يُرِيد «بِذِي الدبر» : عَاصِمًا، وَقد تقدم ذكره.
قَتِيلٌ حَمَتْهُ الدَّبْرُ بَيْنَ بُيُوتِهِمْ ... لَدَى أَهْلِ كُفْرٍ ظَاهِرٍ وَجَفَاءِ
فَقَدْ قَتَلَتْ لِحْيَانُ أَكْرَمَ مِنْهُمْ ... وَبَاعُوا خُبَيْبًا وَيْلَهُمْ بِلَفَاءِ [1]
فَأُفٍّ لِلِحْيَانٍ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ ... عَلَى ذِكْرِهِمْ فِي الذِّكْرِ كُلَّ عَفَاءِ [2]
قُبَيِّلةٌ بِاللُّؤْمِ وَالْغَدْرِ تَغْتَرِي ... فَلَمْ تُمْسِ يَخْفَى لُؤْمُهَا بِخَفَاءِ [3]
فَلَوْ [4] قُتِلُوا لَمْ تُوفِ مِنْهُ دِمَاؤُهُمْ ... بَلَى إنَّ قَتْلَ الْقَاتِلِيهِ شِفَائِي
فَالَّا أَمُتْ أَذْعَرُ هُذَيْلًا بِغَارَةٍ ... كَغَادِي الْجَهَامِ الْمُغْتَدِي بَافَاءِ [5]
بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَالْأَمْرُ أَمْرُهُ ... يَبِيتُ لِلِحْيَانَ الْخَنَا بِفَنَاءِ
يُصَبِّحُ قَوْمًا بِالرَّجِيعِ كَأَنَّهُمْ ... جِدَاءُ شِتَاءٍ بِتْنَ غَيْرَ دِفَاءِ [6]
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا:
فَلَا وَاَللَّهِ، مَا تَدْرِي [7] هُذَيْلٌ [8] ... أَصَافٍ [9] مَاءُ زَمْزَمَ أَمْ مَشُوبُ [10]
وَلَا لَهُمْ إذَا اعْتَمَرُوا وَحَجُّوا ... مِنْ الْحِجْرَيْنِ وَالْمَسْعَى نَصِيبُ [11]
وَلَكِنَّ الرَّجِيعَ لَهُمْ مَحَلٌّ ... بِهِ اللُّؤْمُ الْمُبَيَّنُ وَالْعُيُوبُ
كَأَنَّهُمْ لَدَى الكَّنَّاتُ أُصْلًا ... تُيُوسٌ بِالْحِجَازِ لَهَا نَبِيبُ [12]
حواشي المحقق · صفحة 182
[1] اللفاء: الشَّيْء الحقير الْيَسِير. وَمِنْه قَوْلهم: قنع من الْوَفَاء باللفاء. [2] كَذَا فِي أوشرح السِّيرَة لأبى ذَر. والعفاء: الدّروس والتغير. [3] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وتغترى: يغرى بَعْضهَا بَعْضًا. وَفِي أ: «تعتزى «» أَي تنتسب [4] فِي أ: «وَلَو» . [5] أَذْعَر: أفزع. والغادي: المبكر. والجهام: السَّحَاب الرَّقِيق. والإفاء (هُنَا) الْغَنِيمَة. [6] الجداء: جمع جدي. وَرِوَايَة هَذَا الشّطْر الثَّانِي فِي أ. جداء وشتائين غير دفاء [7] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَتَدْرِي» . [8] فِي أ: «هذيلا» وَهُوَ تَحْرِيف. [9] فِي ديوَان حسان طبع أوربا: «أمحض» . [10] المشوب: العكر الْمُخْتَلط بِغَيْرِهِ. [11] يعْنى بالحجرين: حجر الْكَعْبَة، فثناه مَعَ مَا يَلِيهِ. وَمن رَوَاهُ «الحجرين» بِالتَّحْرِيكِ، أَرَادَ الْحجر الْأسود، وَالْحجر الّذي فِيهِ مقَام إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام. والمسعى: حَيْثُ يسْعَى بَين الصَّفَا والمروة. [12] الكنات: جمع كنة، وَهِي شَيْء يلصق بِالْبَيْتِ يكن بِهِ. وأصل (بِضَمَّتَيْنِ وَسكن تَخْفِيفًا) جمع أصيل، وَهُوَ الْعشي. والنبيب: الصَّوْت. وَقد أسقط الدِّيوَان هَذَا الْبَيْت وَأثبت بدله: تجوزهم وتدفعهم على ... فقد عاشوا وَلَيْسَ لَهُم قُلُوب
هُمْ غَرَوْا بِذِمَّتِهِمْ خُبَيْبًا ... فَبِئْسَ الْعَهْدُ عَهْدُهُمْ الْكَذُوبُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: آخِرُهَا بَيْتًا عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ.
