(شِعْرٌ آخَرُ لِعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ) : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا: يَا خَاتَمُ النُّبَآءِ إنَّكَ مُرْسَلٌ ... بِالْحَقِّ كُلُّ هُدَى السَّبِيلِ هُدَاكَا إنَّ الْإِلَهَ بَنَى عَلَيْكَ مَحَبَّةً ... فِي خَلْقِهِ وَمُحَمَّدًا سَمَّاكَا ثُمَّ الَّذِينَ وَفَوْا بِمَا عَاهَدْتَهُمْ ... جُنْدٌ بَعَثْتَ عَلَيْهِمْ الضَّحَّاكَا رَجُلًا بِهِ ذَرَبُ السِّلَاحِ كَأَنَّهُ ... لَمَّا تَكَنَّفَهُ الْعَدُوُّ يَرَاكَا [2] يَغْشَى ذَوِي النَّسَبِ الْقَرِيبِ وَإِنَّمَا ... يَبْغِي رِضَا الرَّحْمَنِ ثُمَّ رِضَاكَا أُنْبِيكَ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَكَرَّهُ ... تَحْتَ الْعَجَاجَةِ يَدْمَغُ الْإِشْرَاكَا [3] طَوْرًا يُعَانِقُ بِالْيَدَيْنِ وَتَارَةً ... يفرى الجماجم صَار مَا بَتَّاكَا [4] يَغْشَى بِهِ هَامَ الْكُمَاةِ وَلَوْ تَرَى ... مِنْهُ الَّذِي عَايَنْتُ كَانَ شِفَاكَا [5] وَبَنُو سُلَيْمٍ مُعْنِقُونَ أَمَامَهُ ... ضَرْبًا وَطَعْنًا فِي الْعَدُوِّ دِرَاكًا [6] يَمْشُونَ تَحْتَ لِوَائِهِ وَكَأَنَّهُمْ ... أُسْدُ الْعَرِينِ أَرَدْنَ ثَمَّ عِرَاكَا [7] مَا يَرْتَجُونَ مِنْ الْقَرِيبِ قَرَابَةً ... إلَّا لِطَاعَةِ رَبِّهِمْ وَهَوَاكَا هَذِي مَشَاهِدُنَا الَّتِي كَانَتْ لَنَا ... مَعْرُوفَةً وَوَلِيُّنَا مَوْلَاكَا
حواشي المحقق · صفحة 461
[1] الْفجار: الْمُفَاخَرَة. والمرط: كسَاء غير مخيط من خَز أَو صوف أَو كتَّان. وترفل: تمشى متبخترة، والإهاب: الْجلد، وَيُرِيد بِهِ الثَّوْب. [2] ذرب السِّلَاح: حِدته ومضاؤه، وَمِنْه يُقَال: فلَان ذرب اللِّسَان، إِذا كَانَ حاد اللِّسَان. [3] الْعَجَاجَة: الْغُبَار الْمُنْتَشِر. ويدمغ يقهر ويذل، وَهُوَ من الضَّرْب على الدِّمَاغ. [4] يفرى: يقطع. ويروى «يقرى» بِالْقَافِ، أَي يقدم الجماجم قرى لسيفه. وبتاك: قَاطع. [5] هَذَا الْبَيْت سَاقِط فِي أ. والهام: الرُّءُوس. والكماة: جمع كمي، وَهُوَ الشجاع الْمُسْتَتر فِي سلاحه. [6] معنقون: مسرعون. يُقَال: أعنق يعنق: إِذا أسْرع. ودراك: متتابع. [7] العرين: مَوضِع الْأسد. والعراك: المدافعة فِي الْحَرْب.
وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا:
إمَّا تَرَيْ يَا أُمَّ فَرْوَةَ خَيْلَنَا ... مِنْهَا مُعَطَّلَةٌ تُقَادُ وظُلَّعُ [1]
أَوْهَى مُقَارَعَةُ الْأَعَادِي دَمَّهَا ... فِيهَا نَوَافِذُ مِنْ جِرَاحٍ تَنْبَعُ [2]
فَلَرُبَّ قَائِلَةٍ كَفَاهَا وَقْعُنَا ... أزم الحروب فسر بهَا لَا يُفْزَعُ [3]
لَا وَفْدَ كَالْوَفْدِ الْأُلَى عَقَدُوا لَنَا ... سَبَبًا بِحَبْلِ مُحَمَّدٍ لَا يُقْطَعُ
وَفْدٌ أَبُو قَطَنٍ حُزَابَةُ مِنْهُمْ ... وَأَبُو الْغُيُوثِ وَوَاسِعٌ وَالْمقنع
والقائد الْمِائَة الَّتِي وَفَّى بِهَا ... تِسْعَ الْمِئِينَ فَتَمَّ [4] أَلْفٌ أَقْرَعُ [5]
جَمَعَتْ بَنُو عَوْفٍ وَرَهْطُ مُخَاشِنٍ ... سِتًّا وَأَحْلُبُ [6] مِنْ خُفَافٍ أَرْبَعُ [7]
فَهُنَاكَ إذْ نُصِرَ النَّبِيُّ بِأَلْفِنَا ... عَقَدَ النَّبِيُّ لَنَا لِوَاءً يَلْمَعُ
فُزْنَا بِرَايَتِهِ وَأَوْرَثَ عَقْدُهُ ... مَجْدَ الْحَيَاةِ وسُودَدًا لَا يُنْزَعُ
وَغَدَاةَ نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ جَنَاحُهُ ... بِبِطَاحِ مَكَّةَ وَالْقَنَا يَتَهَزَّعُ [8]
كَانَتْ إجَابَتُنَا لِدَاعِي رَبِّنَا ... بِالْحَقِّ مِنَّا حَاسِرٌ وَمُقَنَّعُ [9]
فِي كُلِّ سَابِغَةٍ تَخَيَّرَ سَرْدَهَا ... دَاوُدُ إذْ نَسَجَ الْحَدِيدَ وَتُبَّعُ [10]
وَلَنَا عَلَى بِئْرَيْ حُنَيْنٍ مَوْكِبٌ ... دَمَغَ النِّفَاقَ وَهَضْبَةٌ مَا تُقْلَعُ [11]
حواشي المحقق · صفحة 462
[1] كَذَا فِي م، ر. والظلع: العرج. وَفِي أ «ضلع» بالضاد، والظلع والضلع بِمَعْنى. [2] أَو هِيَ: أَضْعَف. ودمها (بِالدَّال) : تسويتها بالعلف والصنعة لَهَا حَتَّى اسْتَوَى لَحمهَا، يُقَال: دممت الأَرْض، إِذا سويتها. وروى «رمها» (بالراء) ، وَالْمعْنَى على الرِّوَايَتَيْنِ وَاحِد. وتنبع: تسيل بِالدَّمِ. [3] أزم الحروب: شدتها. وسربها: أَي نَفسهَا، وَقيل أَهلهَا. [4] كَذَا فِي م، ر. وَفِي أ «فثم» بالثاء الْمُثَلَّثَة. [5] ألف أَقرع: أَي تَامّ لَا ينقص مِنْهُ شَيْء. [6] كَذَا فِي م، ر. و «أحلب» بِالْحَاء الْمُهْملَة: جمع. وَفِي أ: «أجلب» بِالْجِيم، وَهِي بمعناها، إِلَّا أَن الإجلاب جمع مَعَ حَرَكَة وَصَوت. [7] خفاف (بِضَم الْخَاء) : اسْم رجل تنْسب إِلَيْهِ الْقَبِيلَة. [8] يتهزع: مَعْنَاهُ يضطرب ويتحرك. وروى بالراء، وَمَعْنَاهُ: يسْرع إِلَى الطعْن، من قَوْلك: أهرعت إِذا أسرعت. [9] الحاسر الّذي لَا درع عَلَيْهِ. وَالْمقنع: الّذي على رَأسه مغفر. [10] السابغة: الدرْع الْكَامِلَة. وسردها: نسجها. وَتبع: ملك من مُلُوك الْيمن. [11] دمغ النِّفَاق: أَصَابَهُ فِي دماغه، وَهِي اسْتِعَارَة هُنَا. والهضبة: الرابية، يصف جَيْشه بالثبات وَالْقُوَّة فَلَا يزحزح عَن مَكَانَهُ.
نُصِرَ النَّبِيُّ بِنَا وَكُنَّا مَعْشَرًا ... فِي كُلِّ نَائِبَةٍ نَضُرُّ وَنَنْفَعُ
ذُدْنَا [1] غَدَاتَئِذٍ هَوَازِنَ بِالْقَنَا ... وَالْخَيْلُ يَغْمُرُهَا عَجَاجٌ يَسْطَعُ [2]
إذْ خَافَ حَدَّهُمْ النَّبِيُّ وَأَسْنَدُوا ... جَمْعًا تَكَادُ الشَّمْسُ مِنْهُ تَخْشَعُ [3]
تُدْعَى بَنُو جُشَمٍ وَتُدْعَى وَسْطَهُ ... أَفْنَاءُ نَصْرٍ وَالْأَسِنَّةُ شُرَّعُ [4]
حَتَّى إذَا قَالَ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ... أَبَنِي سُلَيْمٍ قَدْ وَفَيْتُمْ فَارْفَعُوا [5]
رُحْنَا وَلَوْلَا نَحْنُ أَجْحَفَ بَأْسُهُمْ ... بِالْمُؤْمِنِينَ وَأَحْرَزُوا ماَ جَمَّعُوا [6]
وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ:
عَفَا مِجْدَلٌ مِنْ أَهْلِهِ فَمُتَالِعُ ... فَمِطْلَا أَرِيكٍ قَدْ خَلَا فَالْمَصَانِعُ [7]
دِيَارٌ لَنَا يَا جُمْلُ إذْ جُلُّ عَيْشِنَا ... رَخِيٌّ وَصَرْفُ الدَّارِ لِلْحَيِّ جَامِعُ [8]
حُبَيِّبَةٌ أَلْوَتْ بِهَا غُرْبَةُ النَّوَى ... لِبَيْنِ فَهَلْ مَاضٍ مِنْ الْعَيْشِ رَاجِعُ [9]
فَإِنْ تَبْتَغِي الْكُفَّارَ غَيْرَ مَلُومَةٍ ... فَإِنِّي وَزِيرٌ لِلنَّبِيِّ وَتَابِعُ
دَعَانَا إلَيْهِمْ خَيْرُ وَفْدٍ عَلِمْتُهُمْ ... خُزَيْمَةُ وَالْمَرَّارُ مِنْهُمْ وَوَاسِعُ
فَجِئْنَا بِأَلْفِ مِنْ سُلَيْمٍ عَلَيْهِمْ ... لَبُوسٌ لَهُمْ مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ رَائِعُ [10]
نُبَايِعُهُ بِالْأَخْشَبَيْنِ وَإِنَّمَا ... يَدَ اللَّهِ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ نُبَايِعُ [11]
حواشي المحقق · صفحة 463
[1] كَذَا فِي أ. وذدنا: دافعنا. وَفِي م، ر: «زرنا» . [2] العجاج: الْغُبَار: ويسطع: يَعْلُو ويتفرق. [3] تخشع: ينقص ضياؤها. [4] الأفناء (بِالْفَاءِ) : جمَاعَة مجتمعة من قبائل شَتَّى. وَشرع: مائلة إِلَى الطعْن. [5] ارْفَعُوا: أَي كفوا أَيْدِيكُم عَن الْقَتْل، ويروى: اربعوا (بِالْبَاء) وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. [6] أجحف: نقص وأضر. وأحرزوا مَا جمعُوا: اجتووه. [7] عَفا: درس وَتغَير. ومجدل: مَوضِع، وأصل المجدل: الْقصر، وَيُقَال: الْحصن. ومتالع: جبل بِنَجْد. والمطلاء (بِكَسْر الْمِيم، يمد وَيقصر) : أَي أَرض سهلة لينَة تنْبت الْعضَاة. (رَاجع اللِّسَان مَادَّة: طلى) . وأريك: مَوضِع. والمصانع: مَوَاضِع تصنع للْمَاء مثل الصهاريج. [8] جمل: اسْم امْرَأَة. وَجل الْعَيْش: أَكْثَره. وعيش رخي: ناعم. وَصرف الدَّار: الْخطب النَّازِل بهَا. [9] كَذَا فِي م، ر. وَهُوَ تَصْغِير حَبِيبَة، وَفِي أ: «حبيبية» وَهُوَ تَصْغِير ترخيم مَعَ النّسَب إِلَى بنى حبيب. وألوت بهَا: غيرتها. والنوى: الْبعد والفراق. [10] رائع: معجب. [11] الأخشبان: جبلان بِمَكَّة.
فَجُسْنَا مَعَ الْمَهْدِيِّ مَكَّةَ عَنْوَةً ... بِأَسْيَافِنَا وَالنَّقْعُ كَابٍ وَسَاطِعُ [1]
عَدَنِيَّةً وَالْخَيْلُ يَغْشَى مُتُونَهَا ... حَمِيمٌ وَآنٍ مِنْ دَمِ الْجَوْفِ نَاقِعُ [2]
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ سَارَتْ هَوَازِنُ ... إلَيْنَا وَضَاقَتْ بِالنُّفُوسِ الْأَضَالِعُ
صَبَرْنَا مَعَ الضَّحَّاكِ لَا يَسْتَفِزُّنَا ... قِرَاعُ الْأَعَادِي مِنْهُمْ وَالْوَقَائِعُ [3]
أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ يَخْفِقُ فَوْقَنَا ... لِوَاءٌ كَخُذْرُوفِ السَّحَابَةِ لَامِعُ [4]
عَشِيَّةَ ضَحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ مُعْتَصٍ ... بِسَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ وَالْمَوْتُ كَانِعُ [5]
نَذُودُ أَخَانَا عَنْ أَخِينَا وَلَوْ نَرَى ... مَصَالًا لَكُنَّا الْأَقْرَبِينَ نُتَابِعُ [6]
وَلَكِنَّ دِينَ اللَّهِ دِينُ مُحَمَّدٍ ... رَضِينَا بِهِ فِيهِ الْهُدَى وَالشَّرَائِعُ
أَقَامَ بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ أَمْرَنَا ... وَلَيْسَ لِأَمْرٍ حَمَّهُ اللَّهُ دَافِعُ [7]
وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ:
تَقَطَّعَ بَاقِي وَصْلِ أُمِّ مُؤَمَّلٍ ... بِعَاقِبَةِ وَاسْتَبْدَلَتْ نِيَّةً خُلْفَا [8]
وَقَدْ حَلَفَتْ باللَّه لَا تَقْطَعُ الْقُوَى ... فَمَا صَدَقَتْ فِيهِ وَلَا بَرَّتْ الْحَلْفَا [9]
حواشي المحقق · صفحة 464
[1] جسنا: وطئنا. وَالْمهْدِي: النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعنوة: قهرا. وَالنَّقْع: الْغُبَار. وكاب: مُرْتَفع، وساطع: متفرق. [2] متونها: ظُهُورهَا. وَالْحَمِيم (هُنَا) : الْعرق. وآن: حَار. وَنَافِع: كثير. [3] لَا يستفزنا: لَا يستخفا. [4] خذروف السحابة: طرفها. وَأَرَادَ بِهِ هُنَا سرعَة تحرّك هَذَا اللِّوَاء واضطرابه. [5] معتص: ضَارب. يُقَال: اعتصوا بِالسُّيُوفِ: إِذا ضاربوا بهَا. وكانع: دَان، يُقَال: كنع مِنْهُ الْمَوْت، إِذا دنا. [6] نذود: ندفع. وأخانا عَن أخينا: يُرِيد أَنه من بنى سليم، وسليم من قيس، كَمَا أَن هوَازن من قيس، كِلَاهُمَا ابْن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة بن قيس، فَمَعْنَى الْبَيْت: نُقَاتِل إخوتنا هوَازن، ونذودهم عَن إخوتنا من سليم، وَلَو نرى فِي حكم الدَّين مصالا وتطاولا على النَّاس، لَكنا مَعَ الْأَقْرَبين هوَازن. [7] حمه الله: قدره. [8] النِّيَّة: مَا ينويه الْإِنْسَان من وَجه ويقصده. وخلفا (بِضَم الْخَاء) : من خلف الْوَعْد وَمن رَوَاهُ (بِفَتْح الْخَاء) ، فَهُوَ من الْمُخَالفَة. وَقَالَ السهيليّ: «النِّيَّة من النَّوَى، وَهُوَ الْبعد، وخلفا: يجوز أَن يكون مَفْعُولا من أَجله، أَي فعلت ذَلِك من أجل الْخلف، وَيجوز أَن يكون مصدرا مؤكدا للاستبدال، لِأَن استبدالها خلف مِنْهَا لما وعدته بِهِ. ويقوى هَذَا الْبَيْت الْبَيْت الّذي بعده» . [9] القوى هُنَا: قوى الْحَبل، وَالْحَبل (هُنَا) : هُوَ الْعَهْد. وَالْحلف: الْيَمين وَالْقسم.
خُفَافِيَّةٌ بَطْنُ الْعَقِيقِ مَصِيفُهَا ... وَتَحْتَلُّ فِي الْبَادِينَ وَجْرَةَ فَالْعُرْفَا [1]
فَإِنْ تَتْبَعْ الْكُفَّارَ أُمُّ مُؤَمَّلٍ ... فَقَدْ زَوَّدَتْ قَلْبِي عَلَى نَأْيِهَا شَغْفَا [2]
وَسَوْفَ يُنَبِّيهَا الْخَبِيرُ بِأَنَّنَا ... أَبَيْنَا وَلَمْ نَطْلُبْ سِوَى رَبِّنَا حِلْفَا [3]
وَأَنَّا مَعَ الْهَادِي النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ... وَفَيْنَا وَلَمْ يَسْتَوْفِهَا مَعْشَرٌ أَلْفَا
بِفِتْيَانِ صِدْقٍ مِنْ سُلَيْمٍ أَعِزَّةٍ ... أَطَاعُوا فَمَا يَعْصُونَ مِنْ أَمْرِهِ حَرْفَا
خُفَافٌ وذَكْوَانٌ وَعَوْفٌ تَخَالُهُمْ ... مَصَاعِبَ زَافَتْ فِي طَرُوقَتِهَا كُلْفَا [4]
كَأَنَّ النَّسِيجَ الشُهْبَ وَالْبِيضَ مُلْبَسٌ ... أُسُودًا تَلَاقَتْ فِي مَرَاصِدِهَا غُضْفَا [5]
بِنَا عَزَّ دِينُ اللَّهِ غَيْرَ تَنَحُّلٍ ... وَزِدْنَا عَلَى الْحَيِّ الَّذِي مَعَهُ ضِعْفَا [6]
بِمَكَّةَ إذْ جِئْنَا كَأَنَّ لِوَاءَنَا ... عُقَابٌ أَرَادَتْ بَعْدَ تَحْلِيقِهَا خَطْفَا
عَلَى شُخَّصِ الْأَبْصَارِ تَحْسِبُ بَيْنَهَا ... إذَا هِيَ جَالَتْ فِي مَرَاوِدِهَا عَزْفَا [7]
غَدَاةَ وَطِئْنَا الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ نَجِدْ ... لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ عَدْلًا وَلَا صَرْفَا [8]
بِمُعْتَرَكٍ لَا يَسْمَعُ الْقَوْمُ وَسْطَهُ ... لَنَا زَجْمَةٌ إلَّا التَّذَامُرَ وَالنَّقْفَا [9]
حواشي المحقق · صفحة 465
[1] خفافية: نِسْبَة إِلَى بنى خفاف، حَيّ من سليم. والعقيق: وَاد بالحجاز. ووجرة وَالْعرْف: موضعان. [2] كَذَا فِي م، ر. والشغف (بالغين) الْمُعْجَمَة: أَن يبلغ الْحبّ شغَاف الْقلب، وَهُوَ حجابه. وَفِي أ: «شعفا» بِالْعينِ الْمُهْملَة، وَمَعْنَاهُ أَن يحرق الْحبّ الْقلب مَعَ لَذَّة يجدهَا الْمُحب. [3] الْحلف: المحالفة، وَهُوَ أَن يحالف الْقَبِيل على أَن يَكُونُوا يدا وَاحِدَة فِي جمع أُمُورهم. [4] مصاعب: جمع مُصعب، وَهُوَ الْفَحْل. وزافت: مشت. والطروقة: النوق الَّتِي يطرقها الْفَحْل. وكلف: سود، الْوَاحِد: أكلف. [5] النسيج: الدروع. والشهب: جمع شهباء، وَهِي الَّتِي يخالط بياضها حمرَة. ومراصدها: حَيْثُ يرصد بَعْضهَا بَعْضًا، وغضف: مسترخية الآذان. [6] غير تنْحَل: غير كذب. [7] شخص: جمع شاخص، وَهُوَ الّذي يفتح عينه وَلَا يطرف. والمراود: جمع مرود، وَهُوَ الوتد، قَالَ السهيليّ: «وَيجوز أَن يكون جمع مُرَاد، وَهُوَ حَيْثُ ترود الْخَيل، أَي تذْهب وتجيء» والعزف: الصَّوْت وَالْحَرَكَة. [8] الْعدْل: الْفِدْيَة وَالصرْف: التَّوْبَة. [9] المعترك: مَوضِع الْحَرْب. وزجمة: أَي صَوت. والتذامر: أَن يحض بَعضهم بَعْضًا على الْقِتَال. والنقف: كسر الرُّءُوس، وَمِنْه ناقف الحنظلة، وَهُوَ كاسرها ومستخرج مَا فِيهَا. 30- سيرة ابْن هِشَام- 2
بِبِيضٍ نُطِيرُ الْهَامَ عَنْ مُسْتَقَرِّهَا ... وَنَقْطِفُ أَعْنَاقَ الْكُمَاةِ بِهَا قَطْفَا [1]
فَكَائِنْ تَرَكْنَا مِنْ قَتِيلٍ مُلَحَّبٍ ... وَأَرْمَلَةٍ تَدْعُو عَلَى بَعْلِهَا لَهْفَا [2]
رِضَا اللَّهِ نَنْوِي لَا رِضَا النَّاسِ نَبْتَغِي ... وللَّه مَا يَبْدُو جَمِيعًا وَمَا يَخْفَى
وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا:
مَا بَالُ عَيْنِكَ فِيهَا عَائِرٌ سَهِرٌ ... مِثْلُ الْحَمَاطَةِ أَغْضَى فَوْقَهَا الشُّفُرُ [3]
عَيْنٌ تَأَوَّبَهَا مِنْ شَجْوِهَا أَرَقٌ ... فَالْمَاءُ يَغْمُرُهَا طَوْرًا وَيَنْحَدِرُ [4]
كَأَنَّهُ نَظْمُ دُرٍّ عِنْدَ نَاظِمَةٍ ... تَقَطَّعُ السِّلْكُ مِنْهُ فَهُوَ منتثر [5]
يَا بُعْدَ مَنْزِلِ مَنْ تَرْجُو مَوَدَّتَهُ ... وَمَنْ أَتَى دُونَهُ الصَّمَّانُ فَالْحَفَرُ [6]
دَعْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَهْدِ الشَّبَابِ فَقَدْ ... وَلَّى الشَّبَابُ وَزَارَ الشَّيْبُ وَالزَّعَرُ [7]
وَاذْكُرْ بَلَاءَ سُلَيْمٍ فِي مَوَاطِنِهَا ... وَفِي سُلَيْمٍ لِأَهْلِ الْفَخْرِ مُفْتَخَرُ
قَوْمٌ هُمْ نَصَرُوا الرَّحْمَنَ وَاتَّبَعُوا ... دِينَ الرَّسُولِ وَأَمْرُ النَّاسِ مُشْتَجِرُ [8]
لَا يَغْرِسُونَ فَسِيلَ النَّخْلِ وَسْطَهُمْ ... وَلَا تَخَاوَرُ فِي مَشْتَاهُمْ الْبَقَرُ [9]
إلَّا سَوَابِحَ كَالْعِقْبَانِ مَقْرَبَةً ... فِي دَارَةٍ حَوْلَهَا الْأَخْطَارُ وَالْعَكَرُ [10]
حواشي المحقق · صفحة 466
[1] الْهَام: الرُّءُوس، الْوَاحِدَة: هَامة. ونقطف: نقطع. [2] ملحب: مقطع اللَّحْم. [3] العائر: كل مَا أعل الْعين من رمد أَو قذى يتنخس فِي الْعين كَأَنَّهُ يعورها، وسهر: من السهر، وَهُوَ امْتنَاع النّوم. وَجعله سهرا، وَإِنَّمَا السهر الرجل، لِأَنَّهُ لم يفتر عَنهُ، فَكَأَنَّهُ سهر وَلم ينم، والحماطة (فِي الأَصْل) : تبن الذّرة إِذا ذريت، وَله أكال فِي الْجلد، وَيُرِيد بِهِ مَا يَقع مِنْهُ فِي الْعين فتقذى بِهِ. وأغضى فَوْقهَا: أغمض جفْنه عَلَيْهَا. والشفر (أَصله بِسُكُون الْفَاء، وحركت بِالضَّمِّ إتباعا) : أصل منبت الشّعْر فِي الجفن. [4] تأوبها: جاءها مَعَ اللَّيْل. والشجو: الْحزن. وَالْمَاء: الدمع. ويغمرها: يغطيها. [5] السلك: الْخَيط الّذي ينظم فِيهِ، ومنتثر: متفرق. [6] الصمان والحفر: موضعان. [7] الزعر: قلَّة الشّعْر. [8] مشتجر: مُخْتَلف، من الاشتجار: وَهُوَ الِاخْتِلَاف وتداخل الْحجَج بَعْضهَا فِي بعض. [9] الفسيل: صغَار النّخل. وتخاور: من الخوار، وَهُوَ أصوات الْبَقر. يُرِيد أَنهم لَيْسُوا أهل زرع وتربية نعم، وَإِنَّمَا هم أهل حَرْب وانتقال. [10] السوابح (هُنَا) : الْخَيل الَّتِي كَأَنَّهَا تسبح فِي جريها. والعقبان: جمع عِقَاب. ومقربة (كَمَا
تُدْعَى خُفَافٌ وَعَوْفٌ فِي جَوَانِبِهَا ... وَحَيُّ ذَكْوَانَ لَا مِيلٌ وَلَا ضُجُرُ [1]
الضَّارِبُونَ جُنُودَ الشِّرْكِ ضَاحِيَةً ... بِبَطْنِ مَكَّةَ وَالْأَرْوَاحُ تَبْتَدِرُ [2]
حَتَّى دَفَعْنَا وَقَتْلَاهُمْ كَأَنَّهُمْ ... نَخْلٌ بِظَاهِرَةِ الْبَطْحَاءِ مُنْقَعِرُ [3]
وَنَحْنُ يَوْمَ حُنَيْنٍ كَانَ مَشْهَدُنَا ... لِلدِّينِ عِزًّا وَعِنْدَ اللَّهِ مُدَّخَرُ
إذْ نَرْكَبُ الْمَوْتَ مُخْضَرًّا بَطَائِنُهُ ... وَالْخَيْلُ يَنْجَابُ عَنْهَا سَاطِعٌ كَدِرُ [4]
تَحْتَ اللِّوَاءِ مَعَ الضَّحَّاكِ يَقْدُمُنَا ... كَمَا مَشَى اللَّيْثُ فِي غَابَاتِهِ الْخَدِرُ [5]
فِي مَأْزِقٍ مِنْ مَجَرِّ الْحَرْبِ كَلْكَلُهَا ... تَكَادُ تَأْفِلُ مِنْهُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [6]
وَقَدْ صَبَرْنَا بِأَوْطَاسٍ أَسِنَّتَنَا ... للَّه نَنْصُرُ مَنْ شِئْنَا وَنَنْتَصِرُ
حَتَّى تَأَوَّبَ أَقْوَامٌ مَنَازِلَهُمْ ... لَوْلَا الْمَلِيكُ وَلَوْلَا نَحْنُ مَا صَدَرُوا [7]
فَمَا تَرَى مَعْشَرًا قَلُّوا وَلَا كَثُرُوا ... إلَّا قَدَ اصْبَحَ مِنَّا فِيهِمْ أَثَرُ
وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مرداس أَيْضا:
يَا أيّها الرَّجُلُ الَّذِي تَهْوِي بِهِ ... وَجْنَاءُ مُجْمَرَةُ الْمَنَاسِمِ عِرْمِسُ [8]
إمَّا أَتَيْتَ عَلَى النَّبِيِّ فَقُلْ لَهُ ... حَقًّا عَلْيَكَ إذَا اطْمَأَنَّ الْمَجْلِسُ
يَا خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطِيَّ وَمَنْ مَشَى ... فَوْقَ التُّرَابِ إذَا تُعَدُّ الْأَنْفُسُ
[ ]
حواشي المحقق · صفحة 467
فِي م، ر) : قريبَة من الْبيُوت، لركوبها إِذا حدث مَا يَدْعُو إِلَى النجدة وَنَحْوهَا: وَفِي أ: «مقرنة» . والدارة: كل مَا أحَاط بِشَيْء. والأخطار: الْجَمَاعَات من الْإِبِل. والعكر: الْإِبِل الْكَثِيرَة. [1] خفاف، وعَوْف، وذكوان: قبائل. والميل: جمع أميل، وَهُوَ الّذي لَا سلَاح لَهُ. والضجر (بِضَم الضَّاد وَالْجِيم) : جمع ضجور، من الضجر وَهُوَ الْحَرج وَسُوء الِاحْتِمَال [2] ضاحية: منكشفة بارزة فِي أشعة الشَّمْس. [3] منقعر، منقلع من أَصله. [4] سَاطِع: غُبَار متفرق. وكدر: متغير إِلَى السوَاد. [5] الخدر: الدَّاخِل فِي خدره. والخدر (هُنَا) : غابة الْأسد. [6] مأزق: مَكَان ضيق فِي الْحَرْب. والكلكل: الصَّدْر. وتأفل: تغيب. [7] تأوب: رَجَعَ. [8] تهوى بِهِ: تسرع. والوجناء: النَّاقة الضخمة، أَو هِيَ الغليظة الوجنات البارزتها، وَذَلِكَ يدل على غئور عينيها، وهم يصفونَ الْإِبِل بغئور الْعَينَيْنِ عِنْد طول السفار. والمجمرة: المجتمعة المنضمة، وَذَلِكَ أقوى لَهَا. والمناسم: جمع منسم، وَهُوَ مقدم طرف خف الْبَعِير. وعرمس: شَدِيدَة، وأصل العرمس: الصَّخْرَة الصلدة، وتشبه بهَا النَّاقة الْجلْدَة القوية.
إنَّا وَفَيْنَا بِاَلَّذِي عَاهَدْتَنَا ... وَالْخَيْلُ تُقْدَعُ بِالْكُمَاةِ وَتُضْرَسُ [1]
إذَا سَالَ مِنْ أَفْنَاءِ بُهْثَةَ كُلِّهَا ... جَمْعٌ تَظَلُّ بِهِ الْمَخَارِمُ تَرْجُسُ [2]
حَتَّى صَبَحْنَا أَهْلَ مَكَّةَ فَيْلَقًا ... شَهْبَاءَ يَقْدُمُهَا الْهُمَامُ الْأَشْوَسُ [3]
مِنْ كُلِّ أَغْلَبَ مِنْ سُلَيْمٍ فَوْقَهُ ... بَيْضَاءُ مُحْكَمَةُ الدِّخَالِ وَقَوْنَسُ [4]
يُرْوِي الْقَنَاةَ إذَا تَجَاسَرَ فِي الْوَغَى ... وَتَخَالُهُ أَسَدًا إذَا مَا يَعْبِسُ
يَغْشَى الْكَتِيبَةَ مُعْلِمًا وَبِكَفِّهِ ... عَضْبٌ يَقُدُّ بِهِ وَلَدْنٌ مِدْعَسُ [5]
وَعَلَى حُنَيْنٍ قَدْ وَفَى مِنْ جَمْعِنَا ... أَلْفٌ أُمِدَّ بِهِ الرَّسُولُ عَرَنْدَسُ [6]
كَانُوا أَمَامَ الْمُؤْمِنِينَ دَرِيئَةً ... وَالشَّمْسُ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهِمْ أَشْمُسُ [7]
نَمْضِي وَيَحْرُسُنَا الْإِلَهُ بِحِفْظِهِ ... وَاَللَّهُ لَيْسَ بِضَائِعِ مَنْ يَحْرُسُ
وَلَقَدْ حُبِسْنَا بِالْمَنَاقِبِ مَحْبِسًا ... رَضِىَ الْإِلَهُ بِهِ فَنِعْمَ الْمَحْبِسُ [8]
وَغَدَاةَ أَوْطَاسٍ شَدَدْنَا شَدَّةً ... كَفَتْ الْعَدُوَّ وَقِيلَ مِنْهَا: يَا احْبِسُوا
تَدْعُو هَوَازِنُ بِالْإِخَاوَةِ بَيْنَنَا ... ثَدْيٌ تَمُدُّ بِهِ هَوَازِنُ أَيْبَسُ
حَتَّى تَرَكْنَا جَمْعَهُمْ وَكَأَنَّهُ ... عَيْرٌ تَعَاقَبَهُ السِّبَاعُ مُفَرَّسُ [9]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي خَلَفٌ الْأَحْمَرُ قَوْلَهُ: «وَقِيلَ مِنْهَا يَا احْبِسُوا» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا:
نَصَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ غَضَبٍ لَهُ ... بِأَلْفِ كَمِيٍّ لَا تُعَدُّ حَوَاسِرُهْ [10]
حواشي المحقق · صفحة 468
[1] تقدع: تكف. وتضرس: تجرح. [2] سَالَ: ارْتَفع. وبهثة: حَيّ من سليم. والمخارم: الطّرق فِي الْجبَال. وترجس: تهتز وتتحرك. [3] صبحنا أهل مَكَّة فيلقا: أتيناهم بفيلق عِنْد الصُّبْح. وشهباء: لَهَا بريق من كَثْرَة السِّلَاح. والهمام: السَّيِّد. والأشوس: الّذي ينظر نظر المتكبر. [4] الْأَغْلَب: الشَّديد الغليظ. ومحكمة الدخال: يُرِيد قُوَّة نسج الدرْع. والقونس: أَعلَى بَيْضَة الْحَدِيد [5] عضب: سيف قَاطع. ولدن: لين، يقْصد بِهِ الرمْح. ومدعس: طعان. [6] عرندس: شَدِيد. [7] دريئة: مدافعة. وأشمس: جمع شمس. يُرِيد لمعان الشَّمْس فِي كل درع وَسيف وبيضة وَسنَان، فَكَأَنَّهَا شموس. [8] المناقب: اسْم طَرِيق الطَّائِف من مَكَّة. [9] العير: حمَار الْوَحْش. ومفرس: معقور، افترسه السبَاع. [10] حواسره: جموعه الَّذين لَا دروع عَلَيْهِم، يُقَال،: رجل حاسر، إِذا لم يكن عَلَيْهِ درع.
حَمَلْنَا لَهُ فِي عَامِلِ الرُّمْحِ رَايَةً ... يَذُودُ بِهَا فِي حَوْمَةِ الْمَوْتِ نَاصِرُهْ [1]
وَنَحْنُ خَضَبْنَاهَا دَمًا فَهْوَ لَوْنُهَا ... غَدَاةَ حُنَيْنٍ يَوْمَ صَفْوَانُ شَاجِرُهْ [2]
وَكُنَّا عَلَى الْإِسْلَامِ مَيْمَنَةً لَهُ ... وَكَانَ لَنَا عَقْدُ اللِّوَاءِ وَشَاهِرُهْ
وَكُنَّا لَهُ دُونَ الْجُنُودِ بِطَانَةً ... يُشَاوِرُنَا فِي أَمْرِهِ وَنُشَاوِرُهْ
دَعَانَا فَسَمَّانَا الشِّعَارَ مُقَدَّمًا ... وَكُنَّا لَهُ عَوْنًا عَلَى مَنْ يُنَاكِرُهْ [3]
جَزَى اللَّهُ خَيْرًا مِنْ نَبِيٍّ مُحَمَّدًا ... وَأَيَّدَهُ بِالنَّصْرِ وَاَللَّهُ نَاصِرُهْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي مِنْ قَوْلِهِ: «وَكُنَّا عَلَى الْإِسْلَامِ» إِلَى آخرهَا، بَعْص أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ، وَلَمْ يَعْرِفْ الْبَيْتَ الَّذِي أَوَّلُهُ: «
حَمَلْنَا لَهُ فِي عَامِلِ الرُّمْحِ رَايَةً
» .
وَأَنْشَدَنِي بَعْدَ قَوْلِهِ: «
وَكَانَ لَنَا عَقْدُ اللِّوَاءِ وَشَاهِرُهْ
» ، «
وَنَحْنُ خَضَبْنَاهُ دَمًا فَهُوَ لَوْنُهُ
» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا:
مَنْ مُبْلِغُ الْأَقْوَامِ أَنَّ مُحَمَّدًا ... رَسُولَ الْإِلَهِ رَاشِدٌ حَيْثُ يَمَّمَا [4]
دَعَا رَبَّهُ وَاسْتَنْصَرَ اللَّهَ وَحْدَهُ ... فَأَصْبَحَ قَدْ وَفَّى إلَيْهِ وَأَنْعَمَا
سَرَيْنَا وَوَاعَدْنَا قُدَيْدًا مُحَمَّدًا ... يَؤُمُّ بِنَا أَمْرًا مِنْ اللَّهِ مُحْكَمَا
تَمَارَوْا بِنَا فِي الْفَجْرِ حَتَّى تَبَيَّنُوا ... مَعَ الْفَجْرِ فِتْيَانًا وَغَابًا مُقَوَّمًا [5]
عَلَى الْخَيْلِ مَشْدُودًا عَلَيْنَا دُرُوعُنَا ... وَرَجْلًا كَدُفَّاعِ الْأَتِيِّ عَرَمْرَمَا [6]
فَإِنَّ سَرَاةَ الْحَيِّ إنْ كُنْتَ سَائِلًا ... سُلَيْمٌ وَفِيهِمْ مِنْهُمْ مَنْ تَسَلَّمَا [7]
وَجُنْدٌ مِنْ الْأَنْصَارِ لَا يَخْذُلُونَهُ ... أَطَاعُوا فَمَا يَعْصُونَهُ مَا تَكَلَّمَا
حواشي المحقق · صفحة 469
[1] عَامل الرمْح: مَا يَلِي السنان، وَهُوَ دون الثَّعْلَب. [2] شاجره: أَي مخالطه بِالرُّمْحِ، يُقَال: شجرته بِالرُّمْحِ، إِذا طعنته بِهِ، وشجرت الرماح: إِذا دخل بَعْضهَا على بعض. [3] الشعار: مَا ولى جَسَد الْإِنْسَان من الثِّيَاب، فاستعاره هُنَا لبطانته وخاصته. [4] فِي هَذَا الْبَيْت خرم. [5] تماروا بِنَا: شكوا فِينَا. والغاب (هُنَا) : الرماح. [6] رجلا: مشَاة. والأتى: السَّيْل يأتى من بلد إِلَى بلد. ودفاعه: مَا يَدْفَعهُ أَمَامه. والعرمرم: الْكثير الشَّديد. [7] تسلم: انتسب إِلَى سليم، كَمَا تَقول: تقيس الرجل، إِذا اعتزى إِلَى قيس.
فَإِنْ تَكُ قَدْ أَمَّرْتَ فِي الْقَوْمِ خَالِدًا ... وَقَدَّمْتَهُ فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَا بِجُنْدٍ هَدَاهُ اللَّهُ أَنْتَ أَمِيرُهُ ... تُصِيبُ بِهِ فِي الْحَقِّ مَنْ كَانَ أَظْلَمَا حَلَفْتُ يَمِينًا بَرَّةً لِمُحَمَّدٍ ... فَأَكْمَلْتُهَا أَلْفًا مِنْ الْخَيْلِ مُلْجَمَا وَقَالَ نَبِيُّ الْمُؤْمِنِينَ تَقَدَّمُوا ... وَحُبَّ إلَيْنَا أَنْ نَكُونَ الْمُقَدَّمَا وَبِتْنَا بِنَهْيِ الْمُسْتَدِيرِ وَلَمْ يَكُنْ ... بِنَا الْخَوْفُ إلَّا رَغْبَةً وتحزّما أَطَعْنَاكَ حَتَّى أَسْلَمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ ... وَحَتَّى صَبَحْنَا الْجَمْعَ أَهْلَ يَلَمْلَمَا [1] يَضِلُّ الْحِصَانُ الْأَبْلَقُ الْوَرْدُ وَسْطَهُ ... وَلَا يَطْمَئِنُّ الشَّيْخُ حَتَّى يُسَوَّمَا [2] سَمَوْنَا لَهُمْ وِرْدَ الْقَطَا زَفَّهُ ضُحَى ... وَكُلٌّ تَرَاهُ عَنْ أَخِيهِ قَدَ احْجَمَا [3] لَدُنْ غُدْوَةً حَتَّى تَرَكْنَا عَشِيَّةً ... حُنَيْنًا وَقَدْ سَالَتْ دَوَافِعُهُ دَمَا [4] إذَا شِئْتَ مِنْ كُلٍّ رَأَيْتَ طِمِرَّةً ... وَفَارِسَهَا يَهْوِى وَرُمْحًا مُحَطَّمَا [5] وَقَدْ أَحْرَزَتْ مِنَّا هَوَازِنُ سَرْبَهَا ... وَحُبَّ إلَيْهَا أَنْ نَخِيبَ وَنُحْرَمَا [6]
