(شِعْرُ كَعْبٍ) : وَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَيْضًا، فَقَالَ: أَبْقَى لَنَا حَدَثُ الْحُرُوبِ بَقِيَّةً ... مِنْ خَيْرِ نِحْلَةِ رَبِّنَا الْوَهَّابِ [2] بَيْضَاءَ مُشْرِفَةَ الذُّرَى وَمَعَاطِنًا ... حُمُّ الْجُذُوعِ غَزِيرَةُ الْأَحْلَابِ [3] كَاللُّوبِ يُبْذَلُ جَمُّهَا وَحَفِيلُهَا ... لِلْجَارِ وَابْنِ الْعَمِّ وَالْمُنْتَابِ [4] وَنَزَائِعًا مِثْلَ السَّرَاحِ نَمَى بِهَا ... عَلَفُ الشَّعِيرِ وَجِزَّةُ الْمِقْضَابِ [5] عَرِيَ الشَّوَى مِنْهَا وَأَرْدَفَ نَحْضَهَا ... جُرْدُ الْمُتُونِ وَسَائِرُ الْآرَابِ [6] قُودًا تَرَاحُ إلَى الصِّيَاحِ إذْ غَدَتْ ... فِعْلَ الضِّرَاءِ تَرَاحُ لِلْكَلَّابِ [7] وَتَحُوطُ سَائِمَةَ الدِّيَارِ وَتَارَةً ... تُرْدِي الْعِدَا وَتَئُوبُ بِالْأَسْلَابِ [8]
حواشي المحقق · صفحة 259
[1] عاتى الْفُؤَاد: قاسيه. وموقع: ذُو هيب، وَأَصله من التوقيع فِي ظهر الدَّابَّة، وَهُوَ انسلاخ يكون فِيهِ. [2] النحلة: الْعَطاء. [3] الذرى: الأعالي. ويعنى بهَا: الْآطَام. ويعنى «بالمطاعن» : منابت النّخل عِنْد المَاء، تَشْبِيها لَهَا بمطاعن الْإِبِل، وَهِي مباركها حول المَاء. وحم: سود. وَيُرِيد «بالجذوع» : أعناقها. والأحلاب: مَا يحلب مِنْهَا. [4] اللوب: جمع لوبة، وَهِي الْحرَّة، وَهِي أَرض ذَات حِجَارَة سود. وجمها: مَا اجْتمع من لَبنهَا. والمنتاب: القاصد الزائر. [5] النزائع: الْخَيل الْعَرَبيَّة الَّتِي حملت من أرْضهَا إِلَى أَرض أُخْرَى. والسراح: الذئاب، الْوَاحِد سرحان. وجزة المقضاب: أَي مَا يجز لَهَا من النَّبَات فتطعمه، والمقضاب: من القضب، وَهُوَ الْقطع. [6] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والشوى: القوائم. والنحض: اللَّحْم. وجرد الْمُتُون: ملس الظُّهُور. والآراب: جمع إرب، وَهُوَ كل عُضْو مُسْتَقل بِنَفسِهِ. وَفِي أ «وَسَار فِي الْآرَاب» . [7] قَود: طوال، الْوَاحِد: أَقُود وقوداء. وتراح: تنشط. وَالضَّرَّاء: الْكلاب الضارية فِي الصَّيْد وَالْكلاب الصَّائِد صَاحب الْكلاب، الْوَاحِد: كالب. [8] السَّائِمَة: الْمَاشِيَة الْمُرْسلَة فِي المرعى إبِلا كَانَت أَو غَيرهَا. وتردى: تهْلك. وتئوب: ترجع.
حُوشُ الْوُحُوشِ مُطَارَةٌ عِنْدَ الْوَغَى ... عُبْسُ اللِّقَاءِ مبينَة الإنجاب [1]
علقت عَلَى دَعَةٍ فَصَارَتْ بُدَّنًا ... دُخْسَ الْبَضِيعِ خَفِيفَةَ الْأَقْصَابِ [2]
يَغْدُونَ بِالزَّغْفِ الْمُضَاعَفِ شَكَّةً ... وَبِمُتْرَصَاتِ فِي الثِّقَافِ صِيَابِ [3]
وَصَوَارِمٌ نَزَعَ الصَّيَاقِلَ غُلْبَهَا ... وَبِكُلِّ أَرْوَعَ مَاجِدْ الْأَنْسَابِ [4]
يَصِلُ الْيَمِينَ بِمَارِنٍ مُتَقَارِبٍ ... وُكِلَتْ وَقِيعَتُهُ إلَى خَبَّابِ [5]
وَأَغَرَّ أَزْرَقَ فِي الْقَنَاةِ كَأَنَّهُ ... فِي طُخْيَةِ الظَّلْمَاءِ ضَوْءُ شِهَابِ [6]
وَكَتِيبَةٍ يَنْفِي الْقِرَانَ قَتِيرُهَا ... وتردّ حدّ قواحز النُّشَّابِ [7]
جَأْوَى مُلَمْلَمَةً كَأَنَّ رِمَاحَهَا [8] ... فِي كُلِّ مَجْمَعَةٍ ضَرِيمَةُ غَابِ [9]
يَأْوِي إلَى ظِلِّ اللِّوَاءِ كَأَنَّهُ ... فِي صَعْدَةِ الْخَطِّيِّ فَيْءُ عُقَّابِ [10]
أَعْيَتْ أَبَا كَرْبٍ وَأَعْيَتْ تُبَّعًا ... وَأَبَتْ بَسَالَتُهَا عَلَى الْأَعْرَابِ [11]
وَمَوَاعِظٌ مِنْ رَبِّنَا نُهْدَى بِهَا ... بِلِسَانِ أَزْهَرَ طَيِّبِ الْأَثْوَابِ [12]
عُرِضَتْ عَلَيْنَا فَاشْتَهَيْنَا ذِكْرَهَا ... مِنْ بَعْدِ مَا عُرِضَتْ عَلَى الْأَحْزَابِ
حِكَمًا يَرَاهَا الْمُجْرِمُونَ بِزَعْمِهِمْ ... حَرَجًا وَيَفْهَمُهَا ذَوُو الْأَلْبَابِ [13]
حواشي المحقق · صفحة 260
[1] الحوش: النافرة. والمطارة: المستخفة. والوغى: الْحَرْب. والإنجاب: الْكَرم وَالْعِتْق. [2] الْبدن: السمان. ودخس: كَثِيرَة اللَّحْم. والبضيع: اللَّحْم. والأقصاب: الأمعاء، الْوَاحِد: قصب. [3] الزغف: الدروع اللينة: والمترصات. الشديدات وصياب: صائبة. [4] صوارم: سيوف قَاطِعَة. وغلبها: خشونتها وَمَا عَلَيْهَا من الصدأ. والأروع: الّذي يروع بِكَمَالِهِ وجماله. والماجد: الشريف. [5] المارن: الرمْح اللين. ووقيعته: صَنعته وتطريقه وتحديده. وخباب: اسْم قين. [6] يعْنى بالأغر الْأَزْرَق: سِنَانًا. والطخية: شدَّة السوَاد. [7] الْقرَان: تقارن النبل واجتماعه. والقتير: مسامير حلق الدرْع. وَيُرِيد الدروع. وقواحز النشاب: النبال الَّتِي تصيب الأفخاذ. [8] جأوى (الأَصْل فِيهِ الْمَدّ وَقصر للضَّرُورَة) : يخالط سوادها خمرة. وململة: مجتمعة. [9] كَذَا فِي شرح السِّيرَة لأبي ذَر. والضريمة: اللهب المتوقد. وَفِي الْأُصُول: «صريمة» بالصَّاد الْمُهْملَة. [10] الصعدة: الْقَنَاة المستوية. والخطى: الرماح. والفيء: الظل. [11] أَبُو كرب وَتبع: ملكان من مُلُوك الْيمن. وبسالتها: شدتها. [12] الْأَزْهَر: الْأَبْيَض. [13] حرجا: حَرَامًا. والألباب: الْعُقُول.
جَاءَتْ سَخِينَةُ كَيْ تُغَالِبَ رَبَّهَا ... فَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الْغَلَّابِ [1]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:
جَاءَتْ سَخِينَةُ كَيْ تُغَالِبَ رَبَّهَا ... فَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الْغَلَّابِ
قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ شَكَرَكَ اللَّهُ يَا كَعْبُ عَلَى قَوْلِكَ هَذَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ:
مَنْ سَرَّهُ ضَرْبٌ يُمَعْمِعُ بَعْضُهُ ... بَعْضًا كَمَعْمَعَةِ الْأَبَاءِ الْمُحْرَقِ [2]
فَلْيَأْتِ مَأْسَدَةً تُسَنُّ سُيُوفُهَا [3] ... بَيْنَ الْمَذَادِ [4] وَبَيْنَ جَزْعِ [5] الْخَنْدَقِ
دَرِبُوا بِضَرْبِ الْمُعْلِمِينَ وَأَسْلَمُوا ... مُهُجَاتِ أَنْفُسِهِمْ لِرَبِّ الْمَشْرِقِ [6]
فِي عُصْبَةٍ نَصَرَ الْإِلَهُ نَبِيَّهُ ... بِهِمْ وَكَانَ بِعَبْدِهِ ذَا مَرْفِقِ [7]
فِي كُلِّ سَابِغَةٍ تَخُطُّ [8] فُضُولُهَا ... كَالنَّهْيِ هَبَّتْ رِيحُهُ الْمُتَرَقْرِقِ [9]
بَيْضَاءُ مُحْكِمَةٌ كَأَنَّ قَتِيرَهَا ... حَدَقُ الْجَنَادِبِ ذَاتُ شَكٍّ مُوثَقِ [10]
حواشي المحقق · صفحة 261
[1] سخينة: لقب قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة. وَذكروا أَن قصيا كَانَ إِذا ذبح ذَبِيحَة أَو نحر نحيرة بِمَكَّة أَتَى بعجزها فَصنعَ مِنْهُ خزيرة- وَهُوَ لحم يطْبخ ببر- فيطعمه النَّاس، فسميت قُرَيْش بهَا سخينة. وَقيل: إِن الْعَرَب كَانُوا إِذا أسنتوا أكلُوا العلهز. وَهُوَ الْوَبر وَالدَّم، وتأكل قُرَيْش الخزيرة، فنفست عَلَيْهِم ذَلِك، فلقبوهم سخينة. (رَاجع الرَّوْض) . [2] المعمعة: صَوت التهاب النَّار وصريفها. والأباء: الْقصب، وَيُقَال. الأغصان الملتفة. [3] المأسدة: مَوضِع الْأسود، ويعنى بهَا هُنَا مَوضِع الْحَرْب. [4] كَذَا فِي أ. والمذاد: مَوضِع بِالْمَدِينَةِ حَيْثُ حفر الخَنْدَق، وَقيل هُوَ بَين سلع وَخَنْدَق الْمَدِينَة. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «المزاد» وَهُوَ تَحْرِيف. [5] كَذَا فِي أ. والجزع: الْجَانِب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الْجذع» وَهُوَ تَحْرِيف. [6] المعلمون الَّذين: يعلمُونَ أنفسهم فِي الْحَرْب بعلامة يعْرفُونَ بهَا. والمهجات: الْأَنْفس، الْوَاحِدَة: مهجة ولرب الْمشرق: يُرِيد لرب الْمشرق وَالْمغْرب، فَحَذفهُ للْعلم بِهِ. [7] الْعصبَة الْجَمَاعَة: [8] فِي أ: «يحط» بِالْحَاء الْمُهْملَة. [9] السابغة: الدروع الْكَامِلَة. وتخط فضولها: ينجر على الأَرْض مَا فضل مِنْهَا. والنهى: الغدير من المَاء. والمترقرق: الّذي تصفقه الرّيح، فَيَجِيء وَيذْهب. [10] القتير: مسامير الدروع. وَالْجَنَادِب: ذُكُور الْجَرَاد. وَالشَّكّ: إحكام السرد.
جَدْلَاءُ يَحْفِزُهَا نِجَادُ مُهَنَّدٍ ... صَافِي الْحَدِيدَةِ صَارِمٌ ذِي رَوْنَقِ [1]
تِلْكُمْ مَعَ التَّقْوَى تَكُونُ لِبَاسَنَا ... يَوْمَ الْهِيَاجِ وَكُلَّ سَاعَةِ مَصْدَقِ
نَصِلُ السُّيُوفَ إذَا قَصُرْنَ بِخَطْوِنَا ... قُدُمًا وَنُلْحِقُهَا إذَا لَمْ تَلْحَقْ
فَتَرَى الْجَمَاجِمَ ضَاحِيًا هَامَاتُهَا ... بَلْهَ الْأَكُفَّ كَأَنَّهَا لَمْ تُخْلَقْ [2]
نَلْقَى الْعَدُوَّ بِفَخْمَةٍ [3] مَلْمُومَةٍ ... تَنْفِي الْجُمُوعَ كَفَصْدِ رَأْسِ الْمَشْرِقِ [4]
وَنُعِدُّ لِلْأَعْدَاءِ كُلَّ مُقَلَّصٍ ... وَرْدٍ وَمَحْجُولِ الْقَوَائِمِ أَبْلَقِ [5]
تُرْدِى بِفُرْسَانٍ كَأَنَّ كُمَاتَهُمْ ... عِنْدَ الْهِيَاجِ أُسُودُ طَلٍّ مُلْثِقِ [6]
صُدَقٌ يُعَاطُونَ الْكُمَاةَ حُتُوفَهُمْ ... تَحْتَ الْعِمَايَةِ بِالْوَشِيجِ الْمُزْهِقِ [7]
أَمَرَ الْإِلَهُ بِرَبْطِهَا لِعَدُوِّهِ ... فِي الْحَرْبِ إنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوَفِّقِ
لِتَكُونَ غَيْظًا لِلْعَدُوِّ وَحُيَّطَا ... لِلدَّارِ إنْ دَلَفَتْ خُيُولُ النُّزَّقِ [8]
وَيُعِينُنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ بِقُوَّةٍ ... مِنْهُ وَصِدْقِ الصَّبْرِ سَاعَةَ نَلْتَقِي
وَنُطِيعُ أَمْرَ نَبِيِّنَا وَنُجِيبُهُ ... وَإِذَا دَعَا لِكَرِيهَةٍ لَمْ نُسْبَقْ
وَمَتَى يُنَادِ إلَى الشَّدَائِدِ نَأْتِهَا ... وَمَتَى نَرَ الْحَوْمَاتِ فِيهَا نُعْنِقْ [9]
حواشي المحقق · صفحة 262
[1] الجدلاء: الدرْع المحكمة النسج. ويحفزها: يرفعها ويشمرها. والنجاد: حمائل السَّيْف وصارم قَاطع. والرونق: اللمعان. [2] الجماجم: الرُّءُوس. وضاحيا: بارزا للشمس. وبله: اسْم فعل بِمَعْنى اترك ودع، وَيصِح نصب «الأكف» بِهِ، أَو جَرّه على أَنه مصدر مُضَاف لَهُ. [3] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَيُرِيد «بالفخمة» : الكتيبة. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَحْمَة» بِالْحَاء الْمُهْملَة. [4] الملمومة: المجتمعة، والمشرق: جبل بَين الصريف والعصيم من أَرض ضبة (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) . [5] المقلص: الْفرس الْخَفِيف. [6] تردى: تسرع. والكماة: الشجعان. والطل: الضَّعِيف من الْمَطَر. والملثق: مَا يكون عَن الطل من زلق وطين، والأسد أجوع مَا تكون وأجرأ فِي ذَلِك الْحِين. [7] يُرِيد بالعماية: سَحَابَة الْغُبَار وظلمته. والوشيج: الرماح. والمزهق: الْمَذْهَب للنفوس. وَقد وَردت هَذِه الْكَلِمَة بالراء الْمُهْملَة. [8] حيط: جمع حَائِط، وَهُوَ اسْم الْفَاعِل من حاط يحوط. ودلفت: قربت. والنزق: الغاضبون السيئو الْخلق، الْوَاحِد: نازق. [9] الحومات: مَوَاطِن: الْقِتَال، الْوَاحِدَة: حومة. ونعنق: نسرع.
مَنْ يَتَّبِعْ قَوْلَ النَّبِيِّ فَإِنَّهُ ... فِينَا مُطَاعُ الْأَمْرِ حَقُّ مُصَدَّقِ
فَبِذَاكَ يَنْصُرنَا وَيُظْهِرُ عِزَّنَا ... وَيُصِيبُنَا مِنْ نَيْلِ ذَاكَ بِمِرْفَقِ
إنَّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا ... كَفَرُوا وَضَلُّوا عَنْ سَبِيلِ الْمُتَقِّي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ أَنْشَدَنِي بَيْتَهُ:
تِلْكُمْ مَعَ التَّقْوَى تَكُونُ لِبَاسَنَا
وَبَيْتَهُ:
مَنْ يَتَّبِعْ قَوْلَ النَّبِيِّ
أَبُو زَيْدٍ. وَأَنْشَدَنِي:
تَنْفِي الْجُمُوعَ كَرَأْسِ قُدْسِ الْمَشْرِقِ [1]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ:
لَقَدْ عَلِمَ الْأَحْزَابُ حِينَ تَأَلَّبُوا ... عَلَيْنَا وَرَامُوا دِينَنَا مَا نُوَادِعُ [2]
أَضَامِيمُ مِنْ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ أُصْفِقَتْ ... وَخِنْدِفُ لَمْ يَدْرُوا بِمَا هُوَ وَاقِعُ [3]
يَذُودُونَنَا عَنْ دِينِنَا وَنَذُودُهُمْ ... عَنْ الْكُفْرِ وَالرَّحْمَنُ رَاءٍ وَسَامِعُ [4]
إذَا غَايَظُونَا فِي مَقَامٍ أَعَانَنَا ... عَلَى غَيْظِهِمْ نَصْرٌ مِنْ اللَّهِ وَاسِعُ
وَذَلِكَ حِفْظُ اللَّهِ فِينَا وَفَضْلُهُ ... عَلَيْنَا وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ اللَّهُ ضَائِعُ
هَدَانَا لِدِينِ الْحَقِّ وَاخْتَارَهُ لَنَا ... وللَّه فَوْقَ الصَّانِعِينَ صَنَائِعُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ:
أَلَا أَبْلِغْ قُرَيْشًا أَنَّ سَلْعًا ... وَمَا بَيْنَ الْعُرَيْضِ إلَى الصِّمَادِ [5]
حواشي المحقق · صفحة 263
[1] أَشَارَ السهيليّ إِلَى أَن هَذِه الرِّوَايَة أولى وَقَالَ: لِأَن قدس جبل مَعْرُوف من نَاحيَة الْمشرق. [2] تألبوا: تجمعُوا. ونوادع: نصالح ونهادن. [3] أضاميم: جماعات انْضَمَّ بَعْضهَا إِلَى بعض. ويروى: أصاميم. والأصاميم: الخالصون فِي أنسابهم وأصفقت: اجْتمعت وتوافقت على الْأَمر. [4] يذودوننا: يدفعوننا ويمنعوننا. [5] سلع: جبل بسوق الْمَدِينَة. والعريض: وَاد بِالْمَدِينَةِ. قَالَ أَبُو ذَر: «وَيحْتَمل أَن يكون تَصْغِير عرض، وَاحِد الْأَعْرَاض، وَهِي أَوديَة خَارج الْمَدِينَة فِيهَا النّخل وَالشَّجر» . والصماد (بِالْفَتْح وَالْكَسْر) : جبل. قَالَ أَبُو ذَر: «وَيُمكن أَن يكون جمع صَمد، وَهُوَ الْمُرْتَفع من الأَرْض» .
نَوَاضِحُ فِي الْحُرُوبِ مُدَرَّبَاتٌ ... وَخَوْصٌ ثُقِّبَتْ مِنْ عَهْدِ عَادِ [1]
رَوَاكِدُ يَزْخَرُ الْمُرَّارُ فِيهَا ... فَلَيْسَتْ بِالْجِمَامِ وَلَا الثِّمَادِ [2]
كَأَنَّ الْغَابَ وَالْبَرْدِيَّ فِيهَا ... أَجَشُّ إذَا تَبَقَّعَ لِلْحَصَادِ [3]
وَلَمْ نَجْعَلْ تِجَارَتَنَا اشْتِرَاءَ ... الْحَمِيرِ لِأَرْضِ دَوْسٍ أَوْ مُرَادِ [4]
بِلَادٌ لَمْ تَثُرْ إلَّا لِكَيْمَا ... نُجَالِدُ إنْ نَشِطْتُمْ لِلْجِلَادِ [5]
أَثَرْنَا سِكَّةَ الْأَنْبَاطِ فِيهَا ... فَلَمْ تَرَ مِثْلَهَا جَلَهَاتِ وَادِ [6]
قَصَرْنَا كُلَّ ذِي حُضْرٍ وَطَوْلٍ ... عَلَى الْغَايَاتِ مُقْتَدِرٍ جَوَادِ [7]
أَجِيبُونَا إلَى مَا نَجْتَدِيكُمْ ... مِنْ الْقَوْلِ الْمُبَيَّنِ وَالسَّدَادِ [8]
وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِجِلَادِ يَوْمٍ ... لَكُمْ مِنَّا إلَى شَطْرِ الْمَذَادِ [9]
نُصَبِّحُكُمْ بِكُلِّ أَخِي حُرُوبٍ ... وَكُلِّ مُطَهَّمٍ [10] سَلِسِ الْقِيَادِ
حواشي المحقق · صفحة 264
[1] يعْنى بالنواضح: حدائق نخل تسقى بالنضح. والخوص: الْآبَار الضيقة. وثقبت: حفرت. [2] رواكد: ثَابِتَة دائمة. ويزخر: يَعْلُو ويرتفع. والمرار: نهر. قَالَ أَبُو ذَر: وَمن رَوَاهُ «المداد» يعْنى المَاء الّذي يمدها. والجمام جمع جمة، وَهِي الْبِئْر الْكَثِيرَة المَاء. والثماد: المَاء الْقَلِيل. وَرِوَايَة الشّطْر الأول من هَذَا الْبَيْت فِي أ: « رواكد تزجر المران إِلَخ» . [3] الغاب: الشّجر الملتف. والبردي: نَبَات ينْبت فِي البرك تصنع مِنْهُ الْحصْر الْغِلَاظ. وأجش عالى الصَّوْت. وتبقع: صَارَت فِيهِ بقع صفر. [4] دوس وَمُرَاد: قبيلتان من الْيمن. [5] لم تثر: لم تحرث. [6] السِّكَّة: النّخل الْمُصْطَفّ، والأنباط: قوم من الْعَجم. أَي حرثناها وغرسناها كَمَا تفعل الأنباط فِي أمصارها لَا تخَاف عَلَيْهَا كيد كائد. وجلهات الْوَادي: مَا استقبلك مِنْهُ إِذا نظرت إِلَيْهِ من الْجَانِب الآخر، الْوَاحِد: جلهة. وَقَالَ السهيليّ: «جلهات الْوَادي: مَا كشفت عَنهُ السُّيُول فأبرزته، وَهُوَ من الجله. وَهُوَ انحسار الشّعْر عَن مقدم الرَّأْس» . [7] الْحَضَر: الجرى. وَيُرِيد «بِذِي الْحَضَر» : الْخَيل. ويروى: «خطر» أَي قدر. [8] نجديكم: نطلب ... [9] الشّطْر: النَّاحِيَة وَالْقَصْد. والمذاد: مَوضِع بِالْمَدِينَةِ حَيْثُ حفر الخَنْدَق، وَقيل هُوَ بَين سلع وَخَنْدَق الْمَدِينَة. [10] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والمطهم: الْفرس التَّام الْخلق. وَفِي أ: «مطهر» .
وَكُلِّ طِمِرَّةٍ خَفِقٌ حَشَاهَا ... تَدِفُّ دَفِيفَ [1] صَفْرَاءِ الْجَرَادِ [2]
وَكُلِّ مُقَلَّصِ الْآرَابِ نَهْدٍ ... تَمِيمِ الْخَلْقِ مِنْ أُخْرٍ وَهَادِي [3]
خُيُولٌ لَا تُضَاعُ إذَا أُضِيعَتْ ... خُيُولُ النَّاسِ فِي السَّنَةِ الْجَمَادِ [4]
يُنَازِعْنَ الْأَعِنَّةَ مُصْغِيَاتٍ ... إذَا نَادَى إلَى الْفَزَعِ الْمُنَادِي [5]
إذَا قَالَتْ لَنَا النُّذُرُ اسْتَعِدُّوا ... تَوَكَّلْنَا عَلَى رَبِّ الْعِبَادِ
وَقُلْنَا لَنْ يُفَرِّجَ مَا لَقِينَا ... سِوَى ضَرْبُ الْقَوَانِسِ وَالْجِهَادِ [6]
فَلَمْ تَرَ عُصْبَةً فِيمَنْ لَقِينَا ... مِنْ الْأَقْوَامِ مِنْ قَارٍ وَبَادِي [7]
أَشَدَّ بَسَالَةً مِنَّا إذَا مَا ... أَرَدْنَاهُ وَأَلْيَنَ فِي الْوِدَادِ [8]
إذَا مَا نَحْنُ أَشْرَجْنَا عَلَيْهَا [9] ... جِيَادَ الْجُدْلِ [10] فِي الْأُرَبِ الشِّدَادِ [11]
قَذَفْنَا فِي السَّوَابِغِ كُلَّ صَقْرٍ ... كَرِيمٍ غَيْرِ مُعْتَلِثِ الزِّنَادِ [12]
حواشي المحقق · صفحة 265
[1] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول، وَيُقَال: دف الطَّائِر: إِذا حرك جناحيه ليطير. وَفِي أ «تذف ذفيف» . بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. [2] صفراء الْجَرَاد: الخيفانة مِنْهَا، وَهِي الَّتِي أَلْقَت سرأها، أَي بيضها، وَهِي أخف طيرانا. [3] المقلص: المنشمر الشَّديد، والآراب: قطع اللَّحْم، الْوَاحِدَة: أربة (بِضَم الْهمزَة) . والنهد: الغليظ. وَالْهَادِي: الْعُنُق. يُرِيد أَنه تَامّ الْخلق من مقدمه ومؤخره. [4] السّنة الجماد: سنة الْقَحْط. [5] مصغيات: مستمعات. [6] القوانس: أعالى بيض الْحَدِيد. [7] الْقَارِي: من كَانَ من أهل الْقرى. والبادي: من كَانَ من أهل الْبَادِيَة. [8] البسالة: الشدَّة والشجاعة. [9] أشرجنا: ربطنا. [10] الجدل: جمع جدلاء، وَهِي الدرْع المحكمة النسج. [11] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والأرب: جمع أربة، وَهِي الْعقْدَة الشَّدِيدَة. ويروى: الأزب: بالزاء، وَهُوَ الشَّديد الضّيق. وَفِي أ: «الْأَدَب» وَهُوَ تَحْرِيف. [12] السوابغ: الدروع الْكَامِلَة. واعتلث الرجل زندا: أَخذه من شجر لَا يدرى أيوري أم لَا. يصفه بِحسن الاستعداد للحرب.
أَشَمَّ [1] كَأَنَّهُ أَسَدٌ عَبُوسٌ ... غَدَاةَ بَدَا [2] بِبَطْنِ الْجَزَعِ غَادِي [3] يُغَشِّي هَامَةَ الْبَطَلِ الْمُذَكَّى ... صَبِيَّ السَّيْفِ مُسْتَرْخِي النِّجَادِ [4] لِنُظْهِرَ دِينَكَ اللَّهمّ إنَّا ... بِكَفِّكَ فَاهْدِنَا سُبُلَ الرَّشَادِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ بَيْتُهُ: قَصَرْنَا كُلَّ ذِي حُضْرٍ وَطَوْلٍ وَالْبَيْتُ الَّذِي يَتْلُوهُ، وَالْبَيْتُ الثَّالِثُ مِنْهُ، وَالْبَيْتُ الرَّابِعُ مِنْهُ، وَبَيْتُهُ: أَشَمَّ كَأَنَّهُ أَسَدٌ عَبُوسٌ وَالْبَيْتُ الَّذِي يَتْلُوهُ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ.
