(إسْلَامُ ابْنِ الزِّبَعْرَى وَشِعْرُهُ فِي ذَلِكَ) : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: قَالَ: رَمَى حَسَّانُ بْنُ الزِّبَعْرَى وَهُوَ بِنَجْرَانَ بِبَيْتِ وَاحِدٍ مَا زَادَهُ عَلَيْهِ: لَا تعد من رجلا أخلّك بُغْضُهُ ... نَجْرَانَ فِي عَيْشٍ أَحَذَّ لَئِيمِ [1]
حواشي المحقق · صفحة 418
[1] أحذ (بِالْحَاء الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة) : هُوَ الْقَلِيل الْمُنْقَطع. وَمن رَوَاهُ: أجد، (بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة) : فَمَعْنَاه مُنْقَطع أَيْضا. وَقد يجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: فِي عَيْش لئيم جدا. (عَن شرح أَبى ذَر) .
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الزِّبَعْرَى خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ حِينَ أَسْلَمَ:
يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إنَّ لِسَانِي ... رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنا بور [1]
إذْ أُبَارِي الشَّيْطَانَ فِي سُنَنِ الْغَيِّ ... وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ [2]
آمَنَ اللَّحْمُ وَالْعِظَامُ لِرَبِّي ... ثُمَّ قَلْبِي الشَّهِيدُ أَنْتَ النَّذِيرُ
إنَّنِي عَنْكَ زَاجِرٌ ثَمَّ حَيَّا ... مِنْ لُؤَيٍّ وَكُلُّهُمْ مَغْرُورُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى أَيْضًا حِينَ أَسْلَمَ:
مَنَعَ الرُّقَادَ بَلَابِلٌ وَهُمُومُ ... واللَيْلُ مُعْتَلِجُ الرِّوَاقِ بَهِيمُ [3]
مِمَّا أَتَانِي أَنَّ أَحْمَدَ لَامَنِي ... فِيهِ فَبِتُّ كَأَنَّنِي مَحْمُومُ
يَا خَيْرَ مَنْ حَمَلَتْ عَلَى أَوْصَالِهَا ... عَيْرَانَةٌ سُرُحُ الْيَدَيْنِ غَشُومُ [4]
إنِّي لَمُعْتَذِرٌ إلَيْكَ مِنْ الَّذِي ... أَسْدَيْتُ إذْ أَنَا فِي الضَّلَالِ أَهِيمُ [5]
أَيَّامَ تَأْمُرُنِي بِأَغْوَى خُطَّةٍ ... سَهْمٌ وَتَأْمُرُنِي بِهَا مَخْزُومُ
وَأَمُدُّ أَسْبَابَ الرَّدَى وَيَقُودُنِي ... أَمْرُ الْغُوَاةِ وَأَمْرُهُمْ مَشْئُومُ [6]
فَالْيَوْمَ آمَنَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ... قَلْبِي وَمُخْطِئُ هَذِهِ مَحْرُومُ
مَضَتْ الْعَدَاوَةُ وَانْقَضَتْ أَسْبَابُهَا ... وَدَعَتْ أَوَاصِرُ بَيْنَنَا وَحُلُومُ [7]
حواشي المحقق · صفحة 419
[1] الراتق: الساد، تَقول: رتقت الشَّيْء، إِذا سددته. قَالَ الله تَعَالَى: كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما 21: 30. وفتقت: يعْنى فِي الدَّين، فَكل إِثْم فتق وتمزيق، وكل تَوْبَة رتق. وَمن أجل ذَلِك قيل للتَّوْبَة نصوح، من نصحت الثَّوْب إِذا خطته، والنصاح: الْخَيط. وبور: هَالك. يُقَال: رجل بور وبائر، وَقوم بور. [2] أبارى: أجارى وأعارض. وَالسّنَن بِالتَّحْرِيكِ: وسط الطَّرِيق. ومثبور: هَالك. [3] البلابل: الوساوس المختلطة وَالْأَحْزَان. معتلج: مُضْطَرب يركب بعضه بَعْضًا. والبهيم: الّذي لَا ضِيَاء فِيهِ. [4] عيرانة: نَاقَة تشبه العير فِي شدته ونشاطه. وَالْعير هُنَا: حمَار الْوَحْش. وسرح الْيَدَيْنِ: خَفِيفَة الْيَدَيْنِ. وغشوم: لَا ترد عَن وَجههَا. ويروى: (سعوم) وَهِي القوية على السّير. ويروى أَيْضا (رسوم) وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا ترسم الأَرْض وتؤثر فِيهَا، من شدَّة وَطئهَا. [5] أسديت: صنعت وحكيت، يعْنى مَا قَالَ من الشّعْر قبل إِسْلَامه وأهيم: أذهب على وَجْهي متحيرا. [6] الردى: الْهَلَاك. [7] الأواصر: جمع آصرة، وَهِي قرَابَة الرَّحِم بَين النَّاس.
فَاغْفِرْ فِدًى لَكَ وَالِدَايَ كِلَاهُمَا ... زَلَلِي، فَإِنَّكَ رَاحِمٌ مَرْحُومُ وَعَلَيْكَ مِنْ عِلْمِ الْمَلِيكِ عَلَامَةٌ ... نُورٌ أَغَرُّ وَخَاتَمٌ مَخْتُومُ أَعْطَاكَ بَعْدَ مَحَبَّةٍ بُرْهَانَهُ ... شَرَفًا وَبُرْهَانُ الْإِلَهِ عَظِيمُ وَلَقَدْ شَهِدْتُ بِأَنَّ دِينَكَ صَادِقٌ ... حَقٌّ وَأَنَّكَ فِي الْعِبَادِ جَسِيمُ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ أَنَّ أَحْمَدَ مُصْطَفًى ... مُسْتَقْبَلٌ فِي الصَّالِحِينَ كَرِيمُ [1] قَرْمٌ عَلَا بُنْيَانَهُ مِنْ هَاشِمٍ ... فَرْعٌ تَمَكَّنَ فِي الذُّرَا وَأُرُومُ [2] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُهَا لَهُ.
