(شِعْرُ حَسَّانَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ) : وَكَانَ مِمَّا قِيلَ مِنْ الشِّعْرِ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ قَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ [5] : عَفَتْ ذَاتُ الْأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ ... إلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلَاءُ [6]
حواشي المحقق · صفحة 421
[1] المخاريق: جمع مِخْرَاق، وَهِي مناديل تلف ويمسكها الصّبيان بِأَيْدِيهِم، يضْرب بهَا بَعضهم بَعْضًا، شبه السيوف بهَا. [2] قلاه: (كرماه ورضيه، قلى وقلاء ومقلية) : أبغضه وَكَرِهَهُ غَايَة الْكَرَاهَة، فَتَركه. ونفسها وعيالها: يُرِيد نَفسه وَعِيَاله. [3] كنهه: حَقِيقَته. والنصال: حَدِيد السِّهَام. [4] السحيق: الْبعيد. والهضبة: الكدية الْعَالِيَة. والململمة: المستديرة. والغبراء: الَّتِي علاها الغبور. ويبس: يابسة. [5] وَردت هَذِه القصيدة فِي ديوَان حسان المطبوع بأوربا بِزِيَادَة بعض الأبيات وَاخْتِلَاف فِي تَرْتِيب بعض. [6] عفت: تَغَيَّرت ودرست. ذَات الْأَصَابِع والجواء: موضعان بِالشَّام، وبالجواء كَانَ منزل الْحَارِث ابْن أَبى شمر الغساني، وَكَانَ حسان كثيرا مَا يفد على مُلُوك غَسَّان بِالشَّام يمدحهم، فَلذَلِك يذكر هَذِه الْمنَازل. وعذراء: قَرْيَة على بريد من دمشق.
دِيَارٌ مِنْ بَنِي الْحَسْحَاسِ قَفْرٌ ... تُعَفِّيهَا الرَّوَامِسُ وَالسَّمَاءُ [1]
وَكَانَتْ لَا يَزَالُ بِهَا أَنِيسٌ ... خِلَالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ [2]
فَدَعْ هَذَا، وَلَكِنْ مَنْ لِطَيْفِ ... يُؤَرِّقُنِي إذَا ذَهَبَ الْعِشَاءُ [3]
لِشَعْثَاءَ الَّتِي قَدْ تَيَّمَتْهُ ... فَلَيَسَ لِقَلْبِهِ مِنْهَا شِفَاءُ [4]
كَأَنَّ خَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ ... يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ [5]
إذَا مَا الْأَشْرِبَاتُ ذُكِرْنَ يَوْمًا ... فَهُنَّ لِطَيِّبِ الراح الْفِدَاء [6]
نولّيها الْمَلَامَةَ إنْ أَلَمْنَا ... إذَا مَا كَانَ مَغْثٌ أَوْ لِحَاءُ [7]
وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا ... وَأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ [8]
عَدِمْنَا خَيْلَنَا إنْ لَمْ تَرَوْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءُ [9]
يُنَازِعْنَ الْأَعِنَّةَ مُصْغِيَاتٍ ... عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَلُ الظِّمَاءُ [10]
حواشي المحقق · صفحة 422
[1] بَنو الحسحاس: حَيّ من بنى أَسد. وأصل الحسحاس الرجل الْجواد، وَلَعَلَّه مُرَاد هُنَا. والروامس: الرِّيَاح الَّتِي ترمس الْآثَار أَي تغطيها. وَالسَّمَاء: الْمَطَر. (عَن السهيليّ) . [2] النعم: المَال الرَّاعِي، وَهُوَ جمع لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَأكْثر مَا يَقع على الْإِبِل. وَالشَّاة من الْغنم، يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَالْجمع شَاءَ وشياه. [3] الطيف: خيال المحبوبة يلم فِي النّوم. ويؤرقنى: يسهرني. يُرِيد أَن الطيف إِذا زَالَ عَنهُ وجد لَهُ لوعة تؤرقه. [4] شعثاء: اسْم امْرَأَة، قيل هِيَ بنت سَلام بن مشْكم الْيَهُودِيّ، كَمَا فِي السهيليّ، وَقيل هِيَ امْرَأَة من خُزَاعَة، كَمَا فِي نَوَادِر ابْن الْأَعرَابِي، وَقيل غير ذَلِك. [5] الخبيئة: الْخمر المخبوءة المصونة المضنون بهَا. وَبَيت رَأس: مَوضِع بالأردن مَشْهُور بِالْخمرِ الجيدة. وَبعد هَذَا الْبَيْت فِي الدِّيوَان المطبوع بأوربا: على أنيابها أَو طعم غض ... من التفاح هصره اجتناء وعلق عَلَيْهِ السهيليّ فَقَالَ: الْبَيْت مَوْضُوع، لَا يشبه شعر حسان وَلَا لَفظه. [6] الأشربات: جمع الْأَشْرِبَة: والأشربة: جمع شراب. يُرِيد أَن الْأَشْرِبَة غير رَاح بَيت رَأس لَا تدانيها فِي اللَّذَّة. [7] نوليها الْمَلَامَة: نصرف اللوم إِلَيْهَا. إِن ألمنا: إِن فعلنَا مَا نستحق عَلَيْهِ اللوم. يُقَال: ألام الرجل فَهُوَ مليم. والمغث: الضَّرْب بِالْيَدِ. واللحاء: السباب. [8] ينهنهنا: يزجرنا ويردنا. [9] النَّقْع: الْغُبَار. وكداء (بِوَزْن سَحَاب) : ثنية بِأَعْلَى مَكَّة (رَاجع الْحَاشِيَة الأولى ص 406) . [10] الأعنة: جمع عنان، وَهُوَ اللجام. والمصغيات: الموائل المنحرفات لِلطَّعْنِ. والأسل. الرماح. والظماء: العطاش. ويروى: (يبارين الأسنة) بدل: (ينازعن الأعنة) . و (مصعدات) بدل مصغيات.
تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... يُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ [1]
فَإِمَّا تُعْرِضُوا عَنَّا اعْتَمَرْنَا ... وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ [2]
وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِجِلَادِ يَوْمٍ ... يُعِينُ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ [3]
وَجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا ... وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ [4]
وَقَالَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا ... يَقُولُ الْحَقَّ إنْ نَفَعَ الْبَلَاءُ [5]
شَهِدْتُ بِهِ فَقُومُوا [6] صَدِّقُوهُ ... فَقُلْتُمْ لَا نَقُومُ وَلَا نَشَاءُ
وَقَالَ اللَّهُ قَدْ سَيَّرْتُ جُنْدًا ... هُمْ الْأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ [7]
لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ ... سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ
فَنُحْكِمُ بِالْقَوَافِي مَنْ هَجَانَا ... وَنَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدِّمَاءُ [8]
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ [9] عَنِّي ... مُغَلْغَلَةً [10] فَقَدْ بَرِحَ الْخَفَاءُ
بِأَنَّ سُيُوفَنَا تَرَكَتْكَ عَبْدًا ... وَعَبْدُ الدَّارِ سَادَتُهَا الْإِمَاءُ [11]
حواشي المحقق · صفحة 423
[1] المتمطرات: قيل مَعْنَاهُ المصوبات بالمطر. وَيُقَال: المتمطرات: الَّتِي يسْبق بَعْضهَا بَعْضًا. ويلطمهن: تضرب النِّسَاء وجوههن لتردهن. وَالْخمر: جمع خمار، وَهُوَ مَا تغطى بِهِ الْمَرْأَة رَأسهَا ووجهها، أَي أَن النِّسَاء كن يضربن وُجُوه الْخَيل بِخُمُرِهِنَّ يَوْم الْفَتْح. قَالَ السهيليّ: وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة: كَانَ الْخَلِيل رَحمَه الله يرْوى بَيت حسان: (يطلمهن بِالْخمرِ) وينكر: (يلطمهن) ويجعله بِمَعْنى ينفض النِّسَاء بِخُمُرِهِنَّ مَا عليهنّ من غُبَار أَو نَحْو ذَلِك. [2] اعتمرنا: أدينا مَنَاسِك الْعمرَة، وَهِي زِيَارَة بَيت الله الْحَرَام. [3] الجلاد: الْقِتَال بِالسُّيُوفِ. ويروى: (يعز الله) بدل (يعين الله) . [4] كفاء: مثل. [5] الْبلَاء: الاختبار. [6] رِوَايَة الدِّيوَان: (وقومي) . [7] عرضتها اللِّقَاء: عَادَتهَا أَن تتعرض للقاء، فَهِيَ قَوِيَّة عَلَيْهِ. [8] نحكمه: نمنعه ونكفه، وَمِنْه سمى القَاضِي حَاكما، لِأَنَّهُ يمْنَع النَّاس من الظُّلم. [9] أَبُو سُفْيَان: هُوَ الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب ابْن عَم النَّبِي، وَكَانَ هجا النَّبِي قبل أَن يسلم. [10] مغلغلة: رِسَالَة ترسل من بلد إِلَى بلد. وَرِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي الدِّيوَان: أَلا أبلغ أَبَا سُفْيَان عَنى ... فَأَنت مجوف نخب هَوَاء والمجوف: الْخَالِي الْجوف، يُرِيد بِهِ الجبان. وَكَذَلِكَ النخب والهواء. [11] يُرِيد أَن سيوف الْأَنْصَار جعلت أَبَا سُفْيَان كَالْعَبْدِ الذَّلِيل يَوْم فتح مَكَّة، وَأَن سادة بنى عبد الدَّار صَارُوا كالإماء فِي المذلة والهوان.
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا وَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ هَجَوْتَ مُبَارَكًا بَرًّا حَنِيفًا ... أَمِينَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ [1] أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ؟ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ ... وَبَحْرِي لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَهَا حَسَّانُ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَيُرْوَى: « لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَتْبَ فِيهِ » وَبَلَغَنِي عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّسَاءَ يَلْطِمْنَ الْخَيْلَ بِالْخُمُرِ تَبَسَّمَ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
